بقلم: حمدي ورقة
تضعنا الاستقالة المفاجئة للبروفيسور علي عبد الرحمن رباح، أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، أمام مشهد معقد يتجاوز حدود الخلاف الإداري التقليدي حيث تتشابك ثلاث وثائق رسمية لترسم ملامح أزمة تمس صبغة السيادة الأكاديمية في السودان. بوضع هذه الوثائق في سياقها التتابعي، يبدأ المشهد بالانكشاف انطلاقاً من الطرف الثالث الذي شكل محور النزاع تبدأ خيوط القضية من وثيقة الإنذار القانوني الصادرة عن جامعة الخرطوم والتي حذرت فيها بوضوح من التعامل مع شركات تحقق ربحية دولية (مثل DataFlow وCIMEA وأخواتها) معلنةً قطع الصلة بها منذ أبريل 2023، هذا الإنذار يمثل حجر الزاوية لفهم مبررات الاستقالة، فبالنسبة للبروفيسور رباح تمثل الجامعة الطرف الأول والوزارة الطرف الثاني، أما هذه الشركات فهي الطرف الثالث، حسب التحليل الذي توصلت إليه لقد اتهم البروفيسور الوزارة والجامعة بالسكوت عن وصول هذا الطرف غير المشروع لسجلات التعليم العالي. إن جوهر الاتهام هنا شرعنة وصول جهات تجارية خارجية لبيانات الخريجين وهو ما اعتبره المستقيل اختراقاً لمنظومة الأمن المعلوماتي للجامعة. بالانتقال إلى بيان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يظهر تضارب حاد في تفسير الواقع التقني، فبينما كان البروفيسور يدفع باتجاه التحول الرقمي وإصدار الشهادات الإلكترونية لتجاوز عوائق الحرب؛ وصفت الوزارة هذا المسار بـغير الآمن معتبرةً أن الشهادات التي حاول البروفيسور اعتمادها تفتقر للمعايير الدنيا للأمان الرقمي كونها تعتمد توقيعات ممسوحة ضوئيًا. الوزارة لم تكتفِ بالدفاع التقني ولكنها كشفت عن شرخ إداري عميق مشيرةً إلى أن البروفيسور رفض إيداع بيانات خريجي الجامعة في السجل الوطني المركزي قبل الحرب بدعوى الاستقلالية وهو ما أدى لاحقاً إلى عرقلة استخراج شهادات تفاصيل الدرجات للطلاب بعد اندلاع النزاع، هذا التتابع في الوثائق يكشف أن الأزمة الحقيقية تكمن في تعريف السيادة ففي حين ترى الوزارة أن المنصة الوطنية الموحدة للتحقق هي الضمان الوحيد لحماية البيانات من التزوير والتبعية للشركات الدولية؛ يرى البروفيسور أن هذه المركزية أدت -للمفارقة- إلى فتح ثغرات سمحت للطرف الثالث بالوصول للسجلات وما يثير القلق المهني هو إشارة الوزارة لرفضها طلباً من أمانة الشؤون العلمية بتوثيق شهادات بدون تقديرات وهو اتهام يمس الجانب المعياري والأكاديمي الصارم الذي عُرفت به جامعة الخرطوم تاريخياً.
في الختام يظهر التحليل أننا أمام صراع ثلاثي الأبعاد صراع بين الاستقلالية الجامعية والمركزية الوزارية وصراع بين الرقمنة السريعة والتقليدية التأمينية، والأهم من ذلك كله صراع ضد تغول الشركات الربحية على البيانات الوطنية.
إن استقالة البروفيسور رباح، ورد الوزارة العنيف، ووثيقة التحذير من الشركات، كلها تشير إلى حقيقة واحدة أن سجلات الخريجين أصبحت ساحة لمعركة سيادية بامتياز تتطلب تدقيقاً مستقلاً يثبت ما إذا كان الطرف الثالث قد أصبح فعلياً شريكاً في إدارة بياناتنا الأكاديمية أم أن الأمر لا يعدو كونه اختلافاً في تقدير وسائل الحماية الرقمية. لاحقاً تم تشكيل لجنة للتحقيق ولكن العيب هو أن من شكّلها هو الطرف الثاني وكان يجب أن تكون هذه اللجنة من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس السيادة باعتبار أن الوزارة هي طرف في إتهامات البروفيسور المستقيل.

Leave a Reply