مجدي علي
التقرير الميداني الحديث الذي أعدّه مركز (الألق) ونشره منتدى الإعلام السوداني قبل أيام عن واقع الحياة في العاصمة الخرطوم، كشف أن التحديات المعقّدة ما زالت تلقي بظلالها على حياة المواطنين العائدين من الولايات المختلفة ودول الجوار، مدفوعين بتقارير متداولة على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أشارت إلى استقرار الأوضاع وتحسّن الظروف المعيشية بعد سنوات من الاقتتال والدمار.
التقرير وشهادات العائدين أظهرت بوضوح أن العودة إلى الخرطوم ليست سهلة كما يصوّرها البعض، وأن التحديات الإنسانية والاقتصادية والأمنية لا تزال قائمة. فالأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية، والأسعار مرتفعة بما يفوق قدرة المواطنين، أما الأخطر فهو الوضع الأمني الذي يبقى هشًا، مع وجود حالات تفلّت يمارسها بعض الشباب وبعض أفراد القوات النظامية، إلى جانب استمرار عمليات النهب والسطو في عدد من الأحياء.
وعلى الرغم من أن بعض العائدين وصفوا الوضع في أم درمان بأنه أفضل نسبيًا مقارنة بالخرطوم، إلا أن ارتفاع الإيجارات والضغط السكاني هناك يشكّلان تحديًا وهمًّا إضافيًا يصعب معه التفكير في الاستقرار. أما الخرطوم نفسها فلم تعد كما كانت سابقًا؛ فقدت الأحياء الكبيرة الكثير من حياتها وبهجتها، ونزح سكانها نزوحًا آخر نحو أطراف العاصمة بحثًا عن الأمان، فتحوّل مركز الثقل السكاني والاقتصادي إلى المناطق الأقل تأثرًا بالصراع، ناهيك عن معضلات أخرى سببها محدودية فرص العمل، وصعوبة الحصول على أساسيات الحياة، ما يجعل استعادة حياة طبيعية تحديًا يوميًا.
سُقت هذه المقدمة للتأكيد على أن الاهتمام الحكومي الذي يغرد بعيدًا عن الواقع بقرارات غريبة، عليه أن ينظر إلى جوهر المشكلة. إن متابعة افتتاح المسرح القومي أو حضور أي فعالية ثقافية لن ترقى إلى أولويات مواطن يكابد تحديات الحياة اليومية. فالثقافة والفنون لا تنتظم إلا في ظل حياة مستقرة، وأوضاع اقتصادية جيدة، وأمن متين، وهي عناصر ما تزال مفقودة حتى الآن.
الاهتمام المطلوب يجب أن يتركّز أولًا على تأمين حياة المواطنين وتوفير احتياجاتهم الأساسية من أمن، وغذاء، ودواء، ومياه، وكهرباء، وإسكان، وفرص عمل. فاستقرار هذه العناصر هو الذي يمهّد الطريق لاستعادة النشاط الثقافي والفني. إن الاستثمار في توفير أساسيات الحياة ليس رفاهية، بل شرطًا أساسيًا لعودة الحركة الثقافية والفنية إلى العاصمة. وأي حديث عن الفنون والفعاليات الثقافية يجب أن يكون مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بتحسّن الأوضاع الأمنية والخدمية والاقتصادية.
#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #السودان #الخرطوم #هموم_ثقافية #واقع_الحرب #الاستقرار

Leave a Reply