أحمد باتشينو
يُحكى عن عاشقٍ أحبّ، دون أن تكون هناك امرأةٌ بعينها. كان يكتب الشعر لامرأةٍ لا وجود لها، ويتأنّق كل صباح كأن موعدًا ينتظره، ولا أحد ينتظره. يتحدّث عنها في جلساتهم بوقارٍ مدهش، فينصتون إليه بجدّيةٍ كاملة، كأنهم يعرفونها حقًّا؛ يلومونها أحيانًا، ويثنون عليها أحيانًا أخرى.
خمسة عشر عامًا مضت على ذلك.. أو يزيد.
وفي يومٍ عاد إليهم حزينًا، وقال إنّها هدّدته بالفراق إن لم يغيّر أصدقاءه. بكى بينهم طويلًا، بكى كما لو أنّ الخسارة حقيقية. ولحلّ الأمر قالوا له :اذهب إليها وقل لها.
فأجاب، وصوته مكسور :وإذا ذهب أصدقائي، من سيُصدّقها؟
سكت قليلًا، ثم رفع رأسه كمن توصّل إلى حقيقة: “أنتم على حقّ.. من سيُصدّقها غيركم؟”
انفجروا ضحكًا، ضحكًا عاليًا هستيريًّا، فاستوقفهم برجاءٍ خائف، طالبهم أن يُخفِضوا أصواتهم، لعلّها تسمع سخريتهم. أقسمهم بالله ألّا يجرحوا مشاعرها الرقيقة.. اللاموجودة.
وفي مرّة، أخرج عطرًا رجوليًّا دافئًا، وقال إنّها أهدته إيّاه في ذكرى لقائهما. تَهامسوا: “عطرٌ جميل.. ذوقها غامض، كغيابها تمامًا”.
انتشى، طلب كوب شايٍّ آخر، ثم قال بهدوءٍ عميق :”في مثل هذا اليوم كان لقاؤنا.. تمامًا في مثل هذا اليوم”.
وكانوا يعلمون، كما كان يعلم في أعماقه، أنّ بعض الغياب لا يترك فراغًا، بل يسكن القلب، حتّى يصير أصدق من الحقيقة نفسها.
#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #قصة_قصيرة #أدب #خيال #أحمد_باتشينو

Leave a Reply