أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ينطلق مقال البروفيسور ابراهيم البدوي من حدث رمزي لافت: تنصيب زهران ممداني عمدةً لنيويورك، ليبني عليه أطروحة مركزية مفادها أن المدن المنتِجة، والديمقراطية التعددية، وإدارة التنوع تمثل مفاتيح النهوض، وأن في التجربة الأمريكية – وبالأخص الحضرية منها – دروسًا مباشرة للسودان.
في زمن العولمة والتبادل المعرفي المتسارع، تطفو على السطح مقارنات جريئة بين تجارب الأمم، كما في المقارنة بين نهضة نيويورك وأزمة السودان. هذا المقال لا يكتفي بنقد هذه المقارنة، بل يقدم رؤية بديلة من منظور الفكر القومي التقدمي، ترى في النهضة مشروعاً وطنياً تحررياً قبل أن يكون استنساخاً للنماذج.
لا يمكن رفض هذه الأطروحة بالجملة، ولا قبولها دون مساءلة. فالفكر القومي التقدمي لطالما أكد أن الاستفادة من تجارب الآخرين مشروعة، شرط أن تُخضع لـ:
• التحليل الطبقي،
• القراءة التاريخية،
• وتمحيص علاقات القوة في النظام العالمي.
أولاً: المدن المنتِجة… لكن لمن تُنتِج؟
لا خلاف على أن نيويورك تمثل حالة قصوى من التركّز الحضري عالي الإنتاجية، وأن الناتج المحلي للمدينة يفوق اقتصادات دول كاملة. لكن يطرح سؤالًا جوهريًا غائبًا نسبيًا في المقال:
هل ضخامة الناتج تعني عدالة التوزيع؟ وهل الإنتاجية الحضرية تعني تحررًا اقتصادياً؟
فاقتصاد نيويورك، رغم حجمه، هو:
1. اقتصاد مالي–خدمي بالأساس،
2. جزء عضوي من المركز الرأسمالي العالمي،
3. يستند إلى تراكم تاريخي استعماري وإمبريالي طويل.
حيث تشير تقديرات حديثة (2022–2023) إلى أن أعلى 1% من سكان نيويورك يسيطرون على ما يقارب 35–40% من الثروة، بينما يعيش نحو ثلث السكان بين الفقر والفقر النسبي، ما يكشف التناقض البنيوي بين ضخامة الناتج وحدّة التفاوت. هذه الأرقام تكشف أن (الإنتاجية’ ليست مرادفاً للعدالة).
بينما السودان:
1. اقتصاد طرفي،
2. منهك بالحرب،
3. مدمَّر البنية الإنتاجية،
4. ومُستنزف الموارد لصالح الخارج.
ففكرة المدن المنتِجة لا يمكن رفضها، لكنه يرفض استنساخها بوصفها نموذجًا محايدًا. فالمدينة المنتِجة في السودان يجب أن تكون:
1. أداة لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية الوطنية (زراعة–صناعة–خدمات حقيقية)،
2. لا مراكز لإعادة إنتاج التبعية أو المضاربات،
3. ولا جزرًا معزولة عن الريف والهوامش.
بمعنى آخر: نحن بحاجة إلى مدن منتِجة، لا مدن مستهلكة أو طُفيلية، ولا (نيويوركات مصغّرة) في سياق دولة مدمَّرة.
ولتجاوز هذا التناقض، يمكن النظر لتجارب تنموية أقرب للسياق السوداني. ففي تجربة (بورتو أليغري) البرازيلية (أثناء حكم حزب العمال)، تحولت المدينة إلى مركز إنتاجي حقيقي من خلال:
1. المشاركة الشعبية في الميزانية: حيث يقرر المواطنون كيفية إنفاق 20% من ميزانية المدينة،
2. اقتصاد تعاوني: دعم التعاونيات المنتجة الصغيرة والمتوسطة،
3. ربط الريف بالمدينة: عبر سلاسل إنتاج زراعي-صناعي متكاملة
هذا النموذج، رغم اختلاف السياق، يقدم دروساً عملية أكثر من نموذج نيويورك الرأسمالي المتقدم.
ثانياً: الديمقراطية… أداة تحرر أم إدارة أزمة؟: يقدّم المقال الديمقراطية الأمريكية كنموذج إنساني باهر لاستيعاب التنوع، ويستشهد – بحق – بمشهد التعدد الإثني والديني في تنصيب ممداني. غير أن القراءة المنطقية تضيف طبقة أعمق من التحليل: في ان الديمقراطية، في التجربة الغربية، هي:
1. ثمرة صراع اجتماعي طويل،
2. ومحصلة توازنات قوى داخل مجتمعات مستقرة نسبيًا،
3. وتعمل داخل دول مكتملة السيادة.
أما في السودان، فالمعضلة ليست غياب (الانتخابات) أو (التنوع)، بل:
1. غياب الدولة الوطنية نفسها،
2. اختطاف السياسة بواسطة السلاح،
3. وتحويل الديمقراطية إلى واجهة صراع نخب لا مشروع تحرر.
بالتالي فإن: الديمقراطية بلا استقلال وطني، وبلا اقتصاد منتِج، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة.
ومن هنا، فإن الدرس الحقيقي من نيويورك ليس (التنوع) فقط، بل:
1. قوة المؤسسات،
2. احتكار الدولة للعنف المشروع،
3. ووجود اقتصاد قادر على تمويل السياسة الاجتماعية.
ثالثاً: مراجعة القناعات… نعم، لكن من أي موقع؟: يخصص المقال حيزًا واسعًا لنقد ثلاث فئات من السودانيين في المهجر، ويدعوهم إلى مراجعات فكرية. يمكن الاتفاق مع جوهر الدعوة للمراجعة، لكن مع تحفظات أساسية:
1. نقد الماركسية المتكلسة: “الفكر القومي التقدمي كان تاريخيًا ناقدًا للماركسية الجامدة، لا من موقع ليبرالي، بل من موقع يؤكد الخصوصية القومية ويرفض النقل الميكانيكي للنماذج. وعليه، فإن المراجعة المطلوبة ليست: الانتقال من (ماركسية صنمية) إلى (ليبرالية اجتماعية (، بل إلى مشروع وطني تحرري، يستفيد من أدوات الاقتصاد السياسي دون الارتهان لمركز رأسمالي عالمي.
2. إدانة مشاريع التقسيم: يتقاطع المقال بقوة مع الموقف الرافض لمشاريع (النقاء الإثني) ودول التفكيك. حيث أن:( التنوع ليس مشكلة، بل تحويله إلى سياسة هو جوهر الأزمة). بل إن الوحدة لا تُفرض أخلاقيًا فقط، بل تُبنى اقتصاديًا واجتماعيًا.
3. تجريم الإسلاموية السياسية
هنا يلتقي المقال تمامًا مع رؤية أن: الحركة الإسلاموية لم تكن فشلًا أخلاقيًا فقط، بل مشروعًا تدميريًا للدولة والمجتمع، ويجب التعامل معها كقضية:( عدالة انتقالية، لا مجرد خلاف سياسي).
يبقى أن أي نقاش حول المدن، والديمقراطية، والنهضة، يفقد معناه في ظل حرب تدمّر شروط الدولة ذاتها. فاقتصاد المدن لا يُبنى تحت القصف، والديمقراطية لا تزدهر في ظل اقتصاد حرب، والاستقلال لا يُستعاد فيما السلاح يحكم السياسة. فوقف الحرب ليس بندًا إنسانيًا فقط، بل شرطًا تأسيسيًا لأي مشروع نهضوي.
رابعاً: من منظور الفكر القومي التقدمي: الخلاف مع النموذج لا مع فكرة التقدم: من منظور الفكر القومي التقدمي، لا يُقرأ ما طرحه مقال بروفيسور إبراهيم البدوي بوصفه دعوةً للتبعية أو استلابًا واعيًا للنموذج الأمريكي، بل بوصفه تعبيرًا عن مأزق نخبوي شائع: البحث عن الخلاص في نموذج ناجح دون تفكيك الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية التي أنتجته. فالإشكال، في هذا المنظور، لا يكمن في الإعجاب بالمدن المنتِجة أو بالديمقراطية التعددية، بل في القفز فوق سؤال الموقع: موقع السودان في النظام الرأسمالي العالمي، وموقع دول الأطراف في معادلة القوة الدولية.
ينطلق الفكر القومي التقدمي من مسلّمة أساسية مفادها أن النهضة ليست عملية تقنية محايدة، بل فعل تحرري مشروط بالسيادة. فالديمقراطية التي تنمو في مركز النظام العالمي، داخل دولة مكتملة السيادة وقادرة على حماية قرارها الاقتصادي، تختلف جذريًا عن ديمقراطية تُزرع في دولة منهكة، مفتوحة على التدخلات، ومرتهنة لمؤسسات التمويل الدولية. وبالمثل، فإن المدينة المنتِجة في هذا المنظور ليست فضاءً ماليًا–خدميًا معولمًا، بل أداة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، وربط الريف بالمدينة، وتحرير فائض الإنتاج من آليات النهب الخارجي.
من هنا، فإن الاختلاف مع أطروحة المقال لا يتم من موقع رفض الحداثة أو معاداة التجربة الإنسانية، بل من موقع نقد الاستنساخ، والتنبيه إلى أن أي مشروع نهضوي سوداني لا يمكن أن ينجح دون مشروع استقلال وطني شامل: اقتصاديًا، وسياسيًا، وثقافيًا. فالنهضة، وفق هذا المنظور، لا تُستعار جاهزة، بل تُصاغ من داخل المجتمع، وبما يتناسب مع تاريخه، وبنيته، وتناقضاته، ومعركته المفتوحة من أجل السيادة والتحرر.
وإلى جانب هذا البعد الوطني، لا يمكن فصل مشروع النهضة السودانية عن محيطه القومي الأوسع. فالسودان لم يكن يومًا جزيرة معزولة، بل تشكّل تاريخيًا في قلب الفضاء العربي–الأفريقي، متأثرًا بصراعاته ومساهمًا في تفاعلاته. ومن هذا المنظور، فإن الاستقلال الوطني لا يكتمل داخل حدود الدولة القُطرية وحدها، بل يتعزز بقدر اندماجه في مشروع تحرري قومي يواجه البنية نفسها التي أنتجت التبعية والتفكك في أكثر من قطر. فالتجزئة السياسية، وضعف التكامل الاقتصادي، وتحويل الأقطار إلى أسواق منفصلة، ليست أقدارًا محلية، بل نتائج مباشرة لاختلال ميزان القوة على المستوى القومي. وعليه، فإن النهضة السودانية، لكي تكون مستدامة، تحتاج إلى أفق قومي يعيد تعريف علاقتها بمحيطها، لا بوصفه عبئًا أو امتدادًا أيديولوجيًا، بل كرافعة استراتيجية: للتكامل الإنتاجي، وتوسيع السوق، وتبادل الخبرات، وبناء قوة تفاوضية جماعية قادرة على فك الارتباط التابع، وتحويل الاستقلال من شعار سياسي إلى واقع اقتصادي وتاريخي ملموس.
خامساً: ما الذي يغيب عن المقال؟: رغم عمقه، يغيب عن المقال عنصر حاسم في أي مشروع نهضوي سوداني:
1. سؤال الاستقلال الوطني: الاقتصاد الحضري، والديمقراطية، والتنمية، كلها تفشل إن لم تُربط بـ:( فك الارتباط التابع، استعادة القرار الوطني، وإعادة تعريف علاقة السودان بالنظام العالمي).
2. غياب البعد القومي: لا يمكن قراءة أزمة السودان بمعزل عن:( تفكك النظام العربي، وتحول الأقطار إلى ساحات نفوذ). فالنهضة السودانية ليست مشروعًا قطريًا صرفًا، بل جزء من معركة تحرر قومي أوسع.
3. غياب المشروع الثقافي النهضوي: النهضة ليست مشروعاً اقتصادياً وسياسياً فقط، بل هي بالدرجة الأولى مشروع ثقافي. من منظور بعثي، تحتاج السودان إلى:
أ. إعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة: التي تجمع بين الانتماء القومي العربي والأفريقي.
ب. إنتاج ثقافة تحررية: تعيد تعريف العلاقة مع التراث الديني والثقافي.
ت. تعليم نهضوي: ينتج جيلاً قادراً على التفكير النقدي والابتكار
بدون هذا البعد الثقافي، تتحول النهضة إلى مشروع تقني بلا روح.
خاتمة: (نيويورك ليست النموذج… بل المرآة): من منظور بعثي، لا تُقدَّم نيويورك كنموذج يُحتذى، بل كـ مرآة كاشفة:( تكشف حجم الفجوة، وتفضح هشاشة الدولة السودانية، لكنها لا تعطي الوصفة الجاهزة).
النهضة السودانية لن تأتي من: (استنساخ المدن العالمية، ولا من ديمقراطية بلا اقتصاد، ولا من اقتصاد بلا سيادة).
بل من:
1. مشروع وطني تحرري،
2. مدن منتِجة مرتبطة بالريف،
3. دولة قوية عادلة،
4. وديمقراطية نابعة من توازن اجتماعي حقيقي،
5. واستقلال وطني غير قابل للمساومة.
وهنا، يلتقي جوهر المقال – رغم اختلاف المنطلقات – مع جوهر الفكر البعثي: لا دولة بلا إنتاج، ولا ديمقراطية بلا عدالة، ولا استقلال بلا مشروع نهضوي شامل.
نيويورك ليست النموذج، بل المفارقة. مفارقة حضارة تنتج الثروة وتعمّق التفاوت، تبتكر الحلول وتصنع الأزمات. الدرس الحقيقي للسودان ليس في تقليد النموذج، بل في فهم الآلية: كيف تتحول المدن من مستهلكة إلى منتجة؟ كيف تتحول الديمقراطية من واجهة إلى مضمون؟ فالإجابة، عبر مشروع وطني تحرري يجمع بين:
1. الاستقلال الاقتصادي: مدن منتجة مرتبطة بريف منتج،
2. العدالة الاجتماعية: توزيع عادل للثروة والسلطة،
3. الوحدة الوطنية: هوية جامعة تقبل التنوع ولا تخاف منه،
4. العمق القومي: انتماء عربي-أفريقي يثري ولا ينفي.
النهضة السودانية لن تأتي من نيويورك، بل من قراءة واقع السودان بصدق، وبناء الحلول من ترابه ودم أبنائه. وهذا هو جوهر الفكر القومي التقدمي: التحليل من الداخل، والحلول من الجذور، والرؤية نحو المستقبل. النهضة ليست مسألة نموذج ناجح نُقل، بل مسألة قوة تاريخية تُبنى.

Leave a Reply