خالد ضياء الدين
لم يكن المضي نحو انهيار الاقتصاد السـ.ـوداني في زمن الحـ.ـرب قدراً محتوماً فرضته الظروف، بل نتيجة مباشرة لخيارات سياسية وأخلاقية خاطئة، كشفت أن ما يدار في الواقع ليس “اقتصاد حـ.ـرب”، بل اقتصاد امتيازات وبذخ بلا مساءلة. ففي الوقت الذي يطالب فيه المواطن بالصبر والجوع، تعيش النخب الحاكمة وقادة المليشيات حالة من الدعة والرفاه، في تناقض فج يقوض أي شرعية للسلطة.
أبرز مظاهر هذا الفشل يتمثل في الصرف البذخي على أساطيل العربات المرافقة لوزير المالية ووزراء المليشيات القادمة من دارفور وغيرها، إلى جانب السكن الفاخر ومظاهر الترف التي لا تخطئها العين. يحدث ذلك في بلد يعيش غالب سكانه تحت خط الفقر، وتنهار فيه الخدمات الأساسية، وتمول الحـ.ـرب من جيوب المنهكين لا من جيوب المتنفذين.
الأخطر من البذخ ذاته هو الغياب الكامل للتقشف كسياسة عامة. فالحكومات التي تدير الحـ.ـروب عادة تلجأ إلى خفض الإنفاق غير الضروري، وتعبئ الموارد بعدالة، وتخاطب شعبها بصدق. أما في الحالة السـ.ـودانية، فلا خطاب تقشفي، ولا مشاركة عادلة في تحمل الأعباء، بل استمرار لامتيازات ما قبل الحـ.ـرب وربما تضاعفها.
يتزامن ذلك مع انعدام تام للرقابة والمساءلة. فلا برلمان فاعل، ولا مراجع مالي مستقل، ولا موازنة حـ.ـرب معلنة. تصرف الأموال بقرارات فردية أو عسكرية، وتدار موارد الدولة خارج وزارة المالية عبر خزائن متعددة تتبع لمؤسسات عسكرية وأمنية ومليشياوية. وبهذا تحولت الدولة إلى كيان فاقد للسيطرة على موارده، بينما تُدار الحـ.ـرب بعقلية الغنيمة لا بعقلية الصمود.
ويتعزز هذا الفشل عبر عسكرة الاقتصاد، حيث جرى الاستيلاء على الذهب، والجمارك، والمعابر الحدودية، والوقود، وحتى الأراضي الزراعية، لصالح أطراف معينة. هذه الموارد، التي كان يمكن أن تخفف من وطأة الانهيار المعيشي، أُخرجت من الدورة الاقتصادية الرسمية وأُدخلت في اقتصاد ظل قائم على التهريب والجبايات القسرية، ما عمق عزلة السـ.ـودان وفقدانه لأي ثقة دولية.
كما ساهم تسييس النظام المصرفي وطباعة النقود بلا غطاء في انهيار العملة واندلاع موجات تضخم مدمرة، دفعت ثمنها الطبقات الفقيرة والوسطى، بينما ظل المستفيدون من اقتصاد الحـ.ـرب في مأمن من تبعات الانهيار. هكذا انتقلت كلفة الحـ.ـرب كاملة إلى المواطن، في حين تحولت الوظائف العامة والعقود الحكومية إلى مكافآت ولاء تمنح بلا كفاءة ولا محاسبة.
في المحصلة، فإن فشل إدارة اقتصاد الحـ.ـرب في السـ.ـودان ليس فشلاً إدارياً فحسب، بل فشلاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً. إذ لا يمكن إقناع شعب بتحمل الجوع بينما تعرض أمامه مظاهر الرفاه، ولا يمكن الحديث عن إدارة أزمة في ظل غياب الشفافية وتعطيل أدوات الرقابة عمداً. والأخطر من ذلك أن هذا النمط من الاقتصاد لا يهدد فقط حاضر السـ.ـودان، بل يلغم مستقبله، لأن الحـ.ـروب التي تدار كاستثمار لا تنتهي بسهولة.
إن أي طريق حقيقي نحو السـ.ـلام والاستقرار يبدأ بتفكيك اقتصاد الحـ.ـرب: بإخضاع الموارد لسلطة مدنية، وفرض تقشف عادل، واستعادة الرقابة والمساءلة، وتجفيف منابع الثراء المرتبط بالعنف. وما لم يحدث ذلك، ستظل الحـ.ـرب مستمرة، حتى لو تغيرت شعاراتها أو أطرافها إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

Leave a Reply