طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
لا يتعامل بيان حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) في الذكرى السبعين لاستقلال السودان مع المناسبة بوصفها احتفالاً شكلياً أو استدعاءً رمزياً للتاريخ، بل يضع الاستقلال ذاته موضع مساءلة نقدية جذرية، باعتباره مشروعاً لم يكتمل، ومهاماً لم تُنجز، وسيادة ما زالت منقوصة في جوهرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن هذه الزاوية، ينتمي البيان إلى إيمان بعثي أصيل يرى في الاستقلال عملية تاريخية مفتوحة، لا لحظة منجزة تُختزل في رفع العلم أو جلاء المستعمر.
لذا، فإن ذكرى الاستقلال ليست مناسبةً للاحتفال، بل هي محطة للمساءلة والمراجعة: مساءلة كل من قصر في تحقيق سيادة القرار الوطني، ومراجعة جذرية لمشروع دولة ما بعد الاستقلال الذي فشل في تحقيق العدالة والحرية لشعبنا.
ينطلق البيان من فرضية مركزية مفادها أن السودان، رغم مرور سبعة عقود على الاستقلال السياسي، لم يحقق بعد استقلاله الحقيقي بمضامينه الشاملة، وأن فشل الدولة الوطنية في إنجاز مهام ما بعد الاستقلال هو السياق البنيوي الذي يفسر تكرار الانقلابات، وعسكرة السياسة، وانفجار الح.روب الأهلية، وصولاً إلى ح.رب 15 أبريل 2023 التي يصفها البيان – بدقة سياسية – بأنها ذروة لمسار طويل من التآمر على الشعب والدولة، لا حدثاً طارئاً أو معزولاً.
ويتجلى هذا الفشل بوضوح في محطات مفصلية من التاريخ السوداني، مثل العجز المزمن عن بناء جيش وطني مهني واحد، واستمرار الاقتصاد الريعي المرتبط بالسلطة، وغياب مشروع تنموي عادل يعالج اختلال المركز والهامش، وهي عوامل راكمت شروط الانفجار الحالي.
وفي توصيفه للح.رب، يتجاوز البيان القراءة التبسيطية، التي تحصرها في صراع بين جنرالين أو تشكيلين عسكريين، ليضعها في إطارها الأعمق: تحالف قوى الردة والظلام، المكوَّن من الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة وقوى التخلف والتبعية داخل جهاز الدولة، في مواجهة مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، الذي بشّرت به انتفاضة ديسمبر. هنا يستعيد البيان إحدى الثوابت الفكرية لحزب البعث، وهي أن الصراع في جوهره ليس تقنياً أو إدارياً، بل صراع مشاريع اجتماعية–سياسية: مشروع شعب يسعى للحرية والعدالة الاجتماعية، في مقابل مشروع سلطوي يرى في الح.رب وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة والإفلات من المحاسبة.
وتكمن أهمية البيان في أنه لا يكتفي بالإدانة، بل يعيد ترتيب الأولويات الوطنية على نحو واقعي ومسؤول. فوقف الح.رب، في منطق البيان، ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل شرطاً سياسياً وأخلاقياً لإعادة بناء الدولة، وإنهاء عسكرة الحياة العامة، والحفاظ على وحدة البلاد، وفتح الطريق أمام سلطة مدنية كاملة الصلاحيات. ومن هنا يربط البيان بين السلام والديمقراطية ربطاً عضوياً، مؤكداً أن أي حديث عن استقرار أو إعادة إعمار خارج هذا الإطار ليس سوى إعادة تدوير للأزمة.
كما يُحسب للبيان أنه يولي اهتماماً خاصاً بالبُعد المجتمعي، فيشيد بمبادرات التكافل الشعبي مثل (التكايا) وغرف الطوارئ، بوصفها تعبيراً عن مخزون قيمي وتاريخي لدى الشعب السوداني، وعن قدرة المجتمع على مقاومة التفكك رغم عنف الح.رب وخطاب الكراه.ية. غير أن البيان لا يُسقِط في رومانسية المجتمع الأهلي، بل يضع هذه المبادرات في سياقها الصحيح: بدائل اضطرارية لا يمكن أن تحل محل الدولة المدنية الديمقراطية، التي يصفها البيان بكونها (المعادل الموضوعي) الوحيد لمشاريع التفتيت والعدمية.
ولا يكتمل هذا الفهم للاستقلال إلا بوضعه في سياقه القومي الأوسع؛ إذ أثبتت التجربة التاريخية أن الاستقلال الوطني في الأقطار العربية، حين يُعزل عن أفقه القومي، يتحول إلى استقلال هشّ، قابل للاختراق والارتداد. وفي الحالة السودانية على وجه الخصوص، لا يتجلى البعد القومي بوصفه شعارًا فوقيًا، بل كحاجة عملية لحماية الاستقلال الوطني من التحول إلى وظيفة إقليمية داخل صراعات الآخرين. فالسودان، بحكم موقعه وتكوينه، لا يستطيع أن يكون دولة سيّدة ما لم يتحرر من عزلة القطر، وينخرط في مشروع عربي تحرري يعيد تعريف الأمن، والتنمية، والسيادة بوصفها قضايا مشتركة لا محلية فقط. فالدولة الوطنية القطرية، التي لا تستند إلى مشروع قومي تحرري جامع، سرعان ما تقع فريسة للتبعية، أو ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن ربط الاستقلال السوداني بالمشروع القومي العربي ليس ترفًا أيديولوجيًا، بل ضرورة تاريخية، تفرضها وحدة المصير، وتشابك التحديات، وواقع التفكك، الذي جعل الأقطار العربية فرادى عاجزة عن حماية سيادتها أو قرارها الوطني. إن استكمال الاستقلال في السودان، كما في سائر الوطن العربي، يظل مشروطًا بإحياء البعد القومي بوصفه أفقًا للتحرر، لا بديلاً عن الدولة الوطنية القطرية، بل سندًا لها وحاميًا لاستقلالها الحقيقي.
وفي دعوته إلى توحيد الصفوف في جبهة شعبية مدنية عريضة، يستعيد البيان إيماناً بعثياً راسخاً يقوم على فكرة التحالف التاريخي لقوى الشعب العاملة، بعيداً عن الإقصاء والوصاية، ومن أجل برنامج حدّه الأدنى وقف الح.رب، وحماية وحدة البلاد، ومناهضة خطاب الفتنة، والتوافق على سلطة مدنية تعبّر عن الإرادة الشعبية. وهي دعوة لا تنفصل عن رؤية الحزب للديمقراطية التعددية بوصفها ديمقراطية برامج وأفكار، لا ديمقراطية محاصصات أو ولاءات ما قبل وطنية.
إن القيمة الفكرية والسياسية للبيان تتجلى في كونه لا يفصل بين الاستقلال، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ولا يعزل الأزمة السودانية عن سياقها التاريخي الممتد منذ لحظة الاستقلال الأولى. وبهذا المعنى، لا يقدّم البيان مجرد موقف ظرفي من ح.رب جارية، بل يطرح مشروع استكمال الاستقلال باعتباره مهمة وطنية–قومية، تتطلب إنهاء الح.رب، واستعادة السياسة من قبضة السلاح، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تستجيب لتضحيات الشهداء وتطلعات أجيال الانتفاضات.
في الخلاصة، يمكن القول إن البيان يعكس وعياً بعثياً ناضجاً بطبيعة المرحلة، ويقدّم خطاباً مسؤولاً يجمع بين النقد الجذري والواقعية السياسية، وبين الانحياز الصريح للشعب والتمسك بوحدة البلاد وسيادتها. وهو، بهذا المعنى، ليس فقط بيان ذكرى، بل وثيقة سياسية تُسهم في إعادة تعريف معنى الاستقلال في زمن الح.رب، وتذكّر بأن الاستقلال الحقيقي لا يُستكمل إلا بإرادة شعبية حرة، وسلطة مدنية ديمقراطية، ودولة تنحاز للإنسان لا للسلاح.
ويبقى السؤال المفتوح الذي يضعه البيان – ومعه هذه القراءة – أمام القوى الوطنية كافة: هل تستطيع هذه اللحظة الكارثية أن تتحول إلى لحظة تأسيس جديدة، أم أن السودان سيظل يدور في حلقة الاستقلال المؤجل؟
مَعاً لِوَقْفِ الحَرْبِ اللّعِينَةِ العَبَثِيَّةِ،
وَلا دِيمُقْراطِيَّةَ تَعَدُّدِيَّةَ بِغَيْرِ حِزْبِيَّةٍ وَأَحْزابٍ وَنِقاباتٍ.
مَعاً لِبِناءِ الجَبْهَةِ الشَّعْبِيَّةِ العَرِيضَةِ لِلدِّيمُقْراطِيَّةِ وَالتَّغْيِيرِ،
مَعاً لِبِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ، المُسْتَنِدَةِ إِلى مَشْروعٍ قَوْمِيٍّ وَحْدَوِيٍّ تَحْريرِيٍّ جامِعٍ.

Leave a Reply