من صفحة: أمين محمد علي (أمينوف)- بتصرف
في بقعةٍ باركها النيل عند مجمع البحرين، حيث يغسل نهر عطبرة وجه النيل قبالة “الفاصلاب” بشرق ريفي الدامر، بزغ فجر الطيب محمد الطيب عام 1934م. هناك، في تلك الأرض نبتت بذور الشغف الأولى. نهل من معارف عصره في مدارس عطبرة الأولية والوسطى، لكن مدرسته الكبرى كانت “الذات”؛ فقد ثقّف نفسه بنفسه، جاعلاً من الإطلاع ديدناً، ومن مجالس الأدباء والشعراء محراباً للتعلم والتبحّر.
تجلّت عبقريته في التقاط التفاصيل؛ فلا ينسى من زار مشروع الرهد كيف كان الطيب يشرح “مسميات العين الخريفية” المعلقة في مكتب مدير إدارة الري العم “عبد الباقي علقم” بشرحٍ يفيض معرفةً وأصالة. تقلد مناصب بحثية رفيعة بوزارة الثقافة وبجامعة الخرطوم (وحدة أبحاث السـ.ـودان)، وأدار مركز الفلكلور باقتدار، وبرز إعلامياً وكاتباً صحفياً يُشار إليه بالبنان، باحثاً في أغوار التراث الشعبي السـ.ـوداني.
لقد وهب الطيب للوطن حصيلة خمسين عاماً من الترحال والبحث، مدفوعاً بحبٍّ صادقٍ لهذا التراب، فأثمرت مكتبته مؤلفاتٍ صارت مراجع لا غنى عنها، منها: “تاريخ قبيلة البطاحين من أدبهم الشعبي”، “حياة الحمران من أدبهم”، و**”المرشد لجمع الفلكلور”** (بالاشتراك مع د. مصطفى معبار ومحمد عمر بشارة). كما سطر بمداد العارف كتباً مثل: “الدوباي”، “المسيد”، “بيت البكاء”، “تاريخ المديح النبوي في السـ.ـودان”، “الصعاليك العرب في السـ.ـودان”، و**”الإبل في السـ.ـودان”**، بالإضافة إلى سفره الخالد عن “الشيخ فرح ود تكتوك”.
“الإنداية”.. سياحة في عمق المجتمع المسكوت عنه لعلّ كتابه “الإنداية” يظل الدرة الأكثر إثارةً للدهشة؛ فقد جاب الطيب فجاج السـ.ـودان لستة أعوام، مستكشفاً مجتمع الحانات الشعبية بعين الأنثروبولوجي الخبير. استخدم “المسجل” لتوثيق الحكايا، متحملاً في سبيل ذلك وعثاء الرفض وحتى الطرد حين اتُهم يوماً بأنه “بصّاص” أو مخبر للحكومة. طاف من الشمالية إلى كردفان ودارفور، كاشفاً عن الأنماط الاجتماعية المختبئة خلف جدران “الأنادي”.
عرّف الطيب “الإنداية” بأنها المكان الذي يجتمع فيه رواد “المريسة” بأنواعها (الدكاي، أم تف، أم بلبل، العسلية، البقنية، الحسوة، كبس التور، البغو، وقدو قدو). وقد صاغ في كتابه ما يُشبه النص المسرحي، موثقاً لـ “نصيحة الإنداية” التي يتوارثها “شيوخ السـ.ـكرجية” كقواعد ذهبية للسلامة، ومنها: (لا تنوم في الإنداية، لا تجلس جوار الباب، اقعد فوق سرجك، ضهرك يكون على الحيطة، عكازك فوق كرعيك، حمارك لا تمرقو من عينك، لا تملص نعلاتك، لا تنضم كتير، لا تقسم الشراب، ولا تفوت كاسك).
ولم يخلُ توثيقه من طرافةٍ ممرورة؛ كحكايته عن الفتاة التي انتهرتها “شيخة الإنداية” حين ضحكت بصوتٍ ماجن: “يا بت هوي إنداية ولا قلة أدب؟!”، أو حواره مع صانعة المريسة التي شكت لشيخ الخلوة فساد الزمان، فرد عليها بتهكّم العارف: “إنتن نهائي ما تنضمن في الفساد لأنو مريستكن كلها بقت موية”.
“صورة شعبية”.. الأثر الخالد على مدى ثلاثة عقود، ظل برنامجه التلفزيوني (الطيب.. صورة شعبية) يطلّ مساء كل سبت كمرآةٍ تعكس ثراء التنوع السـ.ـوداني. أرهق الطيب نفسه في إعداد مادته مخلصاً، رغم شح الإمكانات، ليفتح لنا نوافذ على عوالم الزار، أغاني البنات، كلاب الصيد، السبحة، المديح النبوي، والطب الشعبي. كان يحرص على تسجيل حلقاته في “الحقل” ليحقق ما يُعرف بـ “السياق الطبيعي المصنوع”، ناقلاً الصورة بقلب عاشق وعين باحث.
رحم الله الطيب محمد الطيب، فقد كان علماً من أعلام التوثيق، وذاكرةً حية للسـ.ـودان، جعل الله ما قدمه في ميزان حسناته، وخلد ذكره في وجدان الوطن وأهله.
#ملف_الهدف_الثقافي #الطيب_محمد_الطيب #أمين_محمد_علي #تراث_سـ.ـوداني #الإنداية #صورة_شعبية #ذاكرة_الوطن

Leave a Reply