م/ عادل أحمد محمد
بينما يطوي السودان سبعين عاماً منذ رفع علم الاستقلال في الأول من يناير 1956، يجد أبناؤه أنفسهم أمام ذكرى مؤلمة، تتجاوز الاحتفالات المعتادة لتلامس جوهر وجودهم في ظل ح.رب أهلية مدمرة. اليوم، لا نحتفل فقط، بل نتساءل بمرارة: ماذا حصد السودان في هذه العقود السبعة سوى الدمار والخراب؟
الواقع لا يرحم؛ مدنٌ تحولت إلى أنقاض، ملايينٌ نزحوا وتشردوا، واقتصادٌ يترنح على حافة الهاوية. إنها حصيلة تراكمات عقود من الفشل في بناء دولة المؤسسات، وإدارة التنوع، وتغليب المصلحة الوطنية على أطماع السلطة. لقد أفرزت الصراعات المتكررة بنية تحتية محطمة، ونسيجاً اجتماعياً ممزقاً، وثقةً مهزوزة في مستقبل هذا الوطن.
ولكن، هل يعني هذا نهاية القصة؟ تاريخ الشعوب العظيمة يخبرنا أن أكبر التحولات تولد من رحم المحن الكبرى. في خضم هذا الألم، يبرز بصيص أمل قادم من عمق المجتمع السوداني نفسه:
• الوعي الجديد: لقد كشفت الأزمة الحالية زيف الشعارات، وعرّت طبيعة الصراعات، مما أيقظ وعياً جماعياً بأهمية الدولة المدنية، حكم القانون، وضرورة بناء سلام مستدام.
• التكافل الشعبي: في ظل غياب الدولة، برزت مبادرات “غرف الطوارئ” و”لجان المقاومة” التي أظهرت معدن الشعب السوداني الأصيل وقدرته على التكافل والتضامن، وهو ما يمثل الرأسمال الاجتماعي الحقيقي لإعادة البناء.
إن الحل لا يكمن في “توافقات سياسية” سطحية بين النخب فقط، بل يتطلب حواراً مجتمعياً شاملاً ينبع من القواعد الشعبية، يعالج جذور الأزمة، ويصوغ “عقداً اجتماعياً جديداً” يتوافق عليه الجميع. هذا الحوار وحده القادر على رتق النسيج الاجتماعي، وبناء الثقة المفقودة، وتحديد شكل الدولة ومستقبلها بطريقة تضمن العدالة والكرامة لكل سوداني.
في هذه الذكرى السبعين، يجب أن يكون الدمار والخراب حافزاً لنا لا لتأجيج اليأس، بل لإشعال شمعة الأمل والإصرار على بناء سودان يستحقه أبناؤه. لن يكون الاستقلال حقيقياً إلا عندما يمتلك كل سوداني إرادة المشاركة في صناعة مستقبل وطنه، بعيداً عن صوت الرصاص وقرقعة السلاح.
هي ليست مجرد ذكرى، بل هي لحظة فارقة لتحديد المصير. هل نغرق في اليأس، أم نصنع الأمل من الركام ونبني سوداناً جديداً؟

Leave a Reply