ابنة السماء والأرض

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

أنا ابنة نسبين لا يلتقيان إلا في روحي. نسبٌ يصعد كالذكر يطلب وجه الله ويذوب في حضرته. رجالٌ من أهل أبي كانوا يمشون على الأرض بخفة من عرف أن الدنيا ظل عابر، يبتسمون لمن أساء إليهم ويعفون كأن قلوبهم ماءٌ رقراق لا يحتفظ بالوجع. كانوا أولياء بلا إعلان، وزاهدين بلا جهد، كأنهم خُلقوا وهم يعرفون طريق الرجوع إلى السماء. ونسبٌ آخر يغلي بالحياة كقدرٍ على نار عالية. أهل أمي كانوا يرقصون للفرح ويغنون للحزن ويقاتلون الدنيا بضحكة ساخرة، وبيدٍ تعرف الشقاء وتخشى الركود. كانوا يزينون الحياة كما تزين امرأة سـ.ـودانية ضفيرتها، وتقول للدنيا: تعالي إن استطعت.

وفي بصمتي الوراثية اختبأ الجانبان كحيوانين بدائيين لا يكفّان عن التشاكس. أحدهما يشدني إلى نور يشبه الصعود إلى سماوات سبع، وآخر يسحبني إلى أرضٍ تعرف رائحة الطين وأسرار العظمة وأوهام الامتلاك. وأنا أتأرجح بينهما كما تتأرجح الروح حين لا تعرف هل خُلقت لتسكن السماء أم لتسكن الأرض. يومٌ أحلّق فيه كأنني دعاء خرج من فم شيخ ولي صالح يعرف اسمي، ويومٌ أتمرغ فيه في الطين بلا ندم، كأن العالم خُلق لأجلي وحدي. وكلاهما مني، كلاهما قدر مطبوع في دمي لا يمكن الفكاك منه. فالوراثة ليست ماضياً ينام في القبور، إنها شيفرة حيّة تعود كلما تنفست، وكلما رغبت، وكلما ضعفت.

وبعد محاولات كثيرة كي أنحاز لطرف واحد، أدركت أنني لست من نساء الانحياز، وأن التناقض ليس عدواً لي بل سر قوتي. حين قبلته هدأ الصراع داخلي، وأفصح كل جانب عن حكمته. فالذي يرفعني للسماء يعلمني أن أتخلى حين يكون التخلي خلاصاً، والذي يغرقني في الأرض يعلمني أن أتشبث حين يكون التمسك نجاة. وهكذا صار النقيضان ينقذانني كلما ضعت؛ هذا يعلمني الخفة وذاك يعلمني الثبات، وهذا يذكرني بأن لا شيء يستحق القتال، وذاك يهمس لي أن هناك أشياء يجب ألا أتركها تسقط.

لهذا أتركهما يرقصان داخلي بلا صراع؛ نور يلمس الطين وطين يلمس النور، حتى يصبح التناقض اتساعاً لا تمزقاً، حركة تعرف أين تهدأ وأين تثور، وأصبح قلبي قادراً على التخلي دون ضعف، وعلى التشبث دون خوف. أنا ابنة السماء والأرض، ابنة النور والوحل. وهذا التناقض ليس لعنتي، بل نجاتي، والحقيقة التي تردني إلى نفسي كلما ضعت. حين قبلت أن يكون في داخلي جناحان لا يتشابهان، صار السـ.ـلام أقرب من أنفاسي. لم أعد أركض خلف الكمال، ولا أحارب عيوبي، ولا أحاول إصلاح كل ما كُسر فيّ، لأنني فهمت أن الكسر جزء من الرؤية، وأن التناقض ليس شقاً في الروح بل نافذة تدخل منها الحكمة.

صار الهدوء يأتي من أعمق شيء في داخلي، من ذلك المكان الذي يجلس فيه نور أبي وطين أمي دون خصام، مكان يعرف أنني امتداد لسلالتين لا تريدان التصالح، لكنهما تحتاجان إلى بعضهما لكي أكتمل. ومنذ تلك اللحظة ظهر السـ.ـلام، ليس كصوتٍ ناعم، بل كمعرفة. معرفة تقول إنني أستطيع التخلي بلا خوف، والتمسك بلا خجل، وإنني أستطيع أن أحب بدون أن أفقد نفسي، وأن أغادر بدون أن أكسر قلب أحد. لأنني لست امرأة نصفها ظل ونصفها نور، بل امرأة يحملها جناحان؛ أحدهما يهبني الصعود، والآخر يهبني البقاء.

وكلما جاء يوم يسحبني إلى الطين، كنت أبتسم؛ أعرف أنني بحاجة إلى شيء من ثقل الأرض لأتذكر نفسي. وكلما جاء يوم يرفعني إلى السماء، كنت أبتسم؛ أعرف أنني بحاجة إلى شيء من النور لأتذكر روحي. وعندما يجتمع الاثنان في اليوم نفسه، كنت أقول شكراً لهذا الاتساع الذي منحني الله إياه. بهذا السـ.ـلام أعيش الآن، أمارس حياتي كما لو أنني أمشي بحقيقة مزدوجة: واحدة تحرس قلبي من القسوة، وأخرى تحرسه من الذوبان؛ واحدة تقول لي كوني خفيفة، وأخرى تقول لي كوني ثابتة، واثنتاهما تقولان لي: عيشي.

وهكذا صرت أعرف نفسي أكثر؛ أعرف أنني لست بحاجة للمصالحة بين النور والوحل، بل لاحتضان الرقص بينهما، وأن قوتي ليست في أن أكون واحدة، بل في أن أكون اثنتين، وأن أحتفل بهما معاً كأنهما ثنائي سماوي نزل إلى الأرض كي أتعلم كيف أكون كاملة. وبهذا اكتمل الدرس، اكتملت الدائرة، ولم أعد أبحث عن مركز ثابت، لأنني فهمت أخيراً أنني أنا. ولهذا أحتفل بالجانبين، أفتخر بالاختلاط العجيب بين النور والوحل، بين الطريق إلى الله والطريق إلى الحياة، بين الزهد الذي يطهر القلب وحب الدنيا الذي يوقظ السعي. أنا لست ملائكية تماماً، ولا دنيوية تماماً، أنا خليط مشاكس من السماء والأرض، من الصعود والارتطام، من الشفافية التي تكاد تمحو نفسها، ومن الفوضى التي تصر أن تترك أثراً.

وهكذا أمضي، لا أصالح الطرفين، بل أتركهما يرقصان في داخلي كما يشتهيان. فربما كانت الحكمة كلها في هذا الرقص، في هذا التناقض الجميل، في هذا الجسد الذي يحمل سلالتين، وفي هذه الروح التي لا تخاف أن تكون اثنتين في آن واحد، ولا تخجل من أن تكون كل شيء، وأن تكون كذلك بلا مهرب، وبلا اعتذار.

#ملف_الهدف_الثقافي #ليلى_صلاح #نثر #أدب_سـ.ـوداني #بوح #ثقافة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.