أحمد باتشينو
عندما قادنا حمدون، كان يجزم أن الجنة هي المنطقة وراء الترعة بمسافة، وأنها في منحدرٍ عصيب، لكننا سنتجاوزه.. هذا في الثامنة. فيما أذكر، ولأنني سمعت بهذه البلاد التي تُدعى الجنّة من أمي غالباً، ومن ثم في المدرسة لاحقاً.. ما كنت حينها أميِّزها في كونها مكاناً للخيريين فقط، لكنها مكان يمكن الذهاب إليه إذا أمكن، كما يمكن الذهاب إلى الخرطوم من قبل الناضجين.
وكنت أفكر دوماً أن الأشخاص الذين في الراديو ما هم إلا أشخاص في عالم الموت، لأنهم غائبون دوماً، مثل أجدادي، وربما من ضمنهم أجدادي.. في تلك القرية السـ.ـودانية من قرى الجزيرة. ربما لدى الأطفال نفس التداعيات عن الحياة والوجود، وقد نلنا علقةً ساخنة بعد عودتنا من رحلة حمدون.. وحمدون نفسه اختفى بعد أيام من الحي، تاركاً ذكرى غامضة. يُقال إن أخواله أخذوه هناك هو وأمه بعد طلاق والديه.
ولا تزال رحلة الجنّة في خاطري لوادٍ مليء بأشجار السدر، وثمر النبق، وطيور الدباس، والطير الخضاري، وطيور الجنة، وكومٍ من الشحارير لا يُعد، أضف اخضرار سهلٍ لا ينتهي على مدّ البصر. قد تكون عشرون عاماً مرّت لم أقابل حمدون، سوى أن البلدة كانت تأتيها أخبار عن من ذهبوا منها في مجالس الأنس واستدعاء الذكريات.. قالوا مرة إن حمدون هذا أُصيب بمرض نفسي، وقد ذهب أقاربه لزيارته بمستشفى التجاني الماحي بالخرطوم بعد انهيارٍ حاد أصابه.
يُقال إنه ذهب مع المجاهدين في منتصف التسعينيات، وفُقدت كتيبته بالكامل في كمين، ونجا بأعجوبة. وعندما عاد عانى من عطالة طويلة، وفقر، وظروف عائلية ملتبسة؛ أمٌّ انشغلت بتوفيق أبنائها من الزوج الثاني، وأبٌ بعيد في الأرياف مع أبناء آخرين لزوجةٍ أخرى. وحين طارده الفشل، فكّر في الدين كمنقذ. حكى لي، كأنما لم نفترق منذ الثامنة، عندما عدته بمستشفى التجاني الماحي، كيف تم استيعابه في لحظة يأس، لا فرح بالطبع، بمجموعة من الإخوانيين في المسجد المجاور. ولم يكن هذا بعيداً عن تاريخ ثورة الإنقاذ.
ضحك بهستيرية، لكنه عاد لهدوئه قائلاً: “تتذكر يوم سقتكم للجنّة؟” رددتُ بالإيجاب ضاحكاً، لا أقول بهدوء: “ده قبال عشرين سنة وكأنه أمس.. السنين بتجري”. ثم بكى.. بكى طويلاً ليقول لي كلاماً غريباً لم أفهم فحواه إلا وأنا عائد في البص بعد خروجي: “أوعك تدي أضانك لزول.. أوعك تباري أي فكرة ساي.. أوعك تمشي الجامع وإنت مسكين.. الجنوبيين كويسين.. وبلدهم هي الجنة، لكن كانت جحيم”. وهذه الأخيرة: “بلدهم هي الجنة، لكن كانت جحيم”.
#ملف_الهدف_الثقافي #أحمد_باتشينو #قصص #الجزيرة #ذاكرة_الطفولة #السـ.ـودان

Leave a Reply