القوة المتواضعة: فلسفة التناغم الوجودي في الشخصية الثورية البعثية

صحيفة الهدف

ا. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

مقدمة: (المتناقض المتوازن – لغز الشخصية الثورية): في قلب المنظومة الثورية البعثية، يطفو تناقضٌ وجودي يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً: كيف يكون المرء قوياً بلا غرور، متواضعاً من غير ضعف؟ هذه ليست مجرد صيغة بلاغية، بل هي معادلة وجودية تكشف عن رؤية عميقة لطبيعة الشخصية الثورية، التي يحتاجها المشروع النهضوي العربي.

الشهيد القائد صدام حسين لم يضع هذه المقولة كشعار، بل كـ تشخيص فلسفي لأزمة الشخصية العربية المعاصرة، التي تتأرجح بين نقيضين: قوة تتحول إلى استبداد، أو تواضع يتحول إلى خنوع. فالمناضل الحقيقي في الرؤية البعثية ليس بطلاً أسطورياً خارقاً، بل هو كائن إنساني متوازن يجسد التناغم بين القوة والأخلاق، بين الفعل والتواضع.

1. تشريح التناقض – القوة المتوازنة:

أ‌- القوة بلا غرور: (السلطة كخدمة لا كامتياز): القوة في المنظور البعثي ليست غاية، بل وسيلة لخدمة الجماعة. هذا المفهوم يقلب المعادلة التقليدية للسلطة: القوة التقليدية: (هرمية تنازلية، احتكار للمعرفة، فصل بين القائد والجماهير). أما القوة البعثية: (شبكية تفاعلية، القائد يرى من خلال عيون الجماهير، القوة تُقاس بقدرتها على تمكين الآخرين (. فـ (قوي بلا غرور) يعني:

– أن تعرف قوتك لكنك لا تتعامل بها كسلعة تفاخرية،

– أن تمتلك السلطة لكنك تضعها تحت قدمي من تخدمهم،

– أن تتخذ القرار لكنك تتحمل تبعاته قبل امتيازاته

ب‌- التواضع بلا ضعف: الاتضاع كقوة أخلاقية: التواضع في الفلسفة البعثية ليس انكساراً، بل ارتفاعاً أخلاقياً: التواضع السلبي): تنازل عن الحق، وخضوع للظلم، وفقدان الكرامة). أما التواضع البعثي الإيجابي: (اعتراف بالجميل، تقدير للآخر، حفظ للكرامة الإنسانية). بالتالي (متواضع من غير ضعف) يعني:

– أن تنحني أمام المبدأ، لا أمام القوة،

– أن تعترف بفضل الآخرين دون أن تنكر فضلك،

– أن تسمع صوت الجماهير دون أن تفقد صوتك الداخلي.

2. الشخصية البعثية 🙁 تركيب الأضداد):

أ‌. الثوري كمفكر وعامل: الشخصية البعثية تجمع بين التأمل الفلسفي والعمل الميداني:

– المفكر الذي يحلل الواقع بعمق،

– العامل الذي يغير الواقع بيديه،

– المنظم الذي يحول الفكرة إلى مؤسسة.

ب‌. المناضل كفرد وجماعة: المنظور البعثي يحل إشكالية الفرد/الجماعة:

– الفرد ليس ذرة معزولة، بل خلية في جسد الجماعة،

– الجماعة ليست كتلة صماء، بل تناغم لأفراد متميزين،

– العلاقة: تكامل لا صراع، اندماج لا ذوبان.

ت‌. القائد كخادم وقائد: في الرؤية البعثية، القيادة خدمة مشروطة:

– الشرعية: تأتي من الإنجاز لا من المنصب،

– المسؤولية: تسبق المصلحة،

– المحاسبة: جزء من النظام، لا استثناء منه.

3. السمات الشخصية :(التشكيل العملي):

أ‌. السمات المعرفية: الوعي التاريخي في فهم الماضي لصنع المستقبل. والبصيرة الاستراتيجية من خلال رؤية ما وراء الأحداث. والتفكير النقدي، الذي في تمييز الجوهر من العرض. والتعلم المستمر، في إن المعرفة سلاح دائم التطوير

ب‌. السمات الأخلاقية: النزاهة، من خلال التوافق بين القول والفعل، والصبر الاستراتيجي، في الانتظار الذكي للفرصة. والتضحية المنتجة، في العطاء الذي يخلق قيمة. والصدق الثوري، بقول الحقيقة حتى لو كانت مرّة.

ت‌. السمات النفسية: المرونة المقاومة، في القدرة على التكيف دون التنازل، والثقة الواقعية بالإيمان بإمكانية التغيير مع معرفة الصعوبات. والتوازن العاطفي، في إن المشاعر تحت سيطرة العقل. القدرة على التحمل: احتمال المصاعب دون انكسار.

ث‌. السمات الاجتماعية: القدرة على التواصل، من خلال فهم الآخر والتأثير فيه، والعمل الجماعي بالإنجاز ضمن فريق. والتواضع العملي، بالاستماع للنقد البناء. والعدالة في التعامل، من خلال المساواة في الحقوق والواجبات.

4. التطبيقات النضالية :(من النظرية إلى الممارسة):

أ‌. في النضال السياسي: القوة بلا غرور تعني:

– استخدام السلطة لبناء المؤسسات لا لتعزيز النفوذ الشخصي

– اتخاذ القرارات الجريئة مع الاستعداد للمحاسبة

– القيادة بالقدوة لا بالأوامر

التواضع بلا ضعف يعني:

– الاعتراف بالأخطاء والاستفادة منها،

– الاستماع لرأي الأقلية واحترامه.

– توزيع المهام حسب الكفاءة لا حسب الولاء

ب‌. في النضال الفكري: القوة الفكرية:

– الجرأة في طرح الأفكار الجديدة،

– الدفاع عن المبادئ دون تعصب،

– الحوار مع المختلف فكرياً.

التواضع المعرفي:

– الاعتراف بحدود المعرفة،

– التعلم من كل المصادر،

– تقدير التراث مع نقد التقاليد.

ت‌. في النضال الاجتماعي: القوة الاجتماعية:

– تنظيم الجماهير وتحريك طاقاتها،

– مواجهة الظلم والفساد،

– بناء المؤسسات الشعبية.

التواضع الاجتماعي:

– العيش بين الناس ومعاناتهم.

– تقدير جهود العاملين البسطاء.

– الاعتراف بفضل السابقين

5. التحديات المعاصرة 🙁 اختبار السمات في زمن العولمة):

أ‌. في زمن الوسائط الاجتماعية: كيف يكون المناضل:

– قوياً في مواجهة حملات التشويه.

– متواضعاً في التعامل مع المؤيدين.

– صامداً أمام إغراء الشهرة الزائفة.

ب‌. في زمن اقتصاد السوق: كيف يحافظ المناضل على:

– النزاهة في عالم الفساد المالي.

– البساطة في مجتمع الاستهلاك.

– الالتزام في زمن الانتهازية.

ت‌. في زمن العولمة الثقافية: كيف يوازن المناضل بين:

– الانفتاح على العالم،

– الحفاظ على الهوية،

– الانتقاء الواعي للثقافات.

6. التربية الثورية – صناعة الشخصية البعثية:

أ‌. الأسس التربوية:

– التربية بالقدوة: النموذج الحي أهم من النص.

– التربية بالممارسة: التجربة العملية أصدق من الخطاب.

– التربية بالمسؤولية: تحمل التبعيات ينمي الشخصية.

ب‌. المؤسسات التكوينية:

– الحزب: المدرسة الكبرى للتكوين الثوري.

– المنظمات الجماهيرية: مختبرات للتطبيق العملي.

– المؤسسات التعليمية: معاقل للفكر النقدي.

ت‌. آليات التقييم والمحاسبة:

– المحاسبة الذاتية: المراجعة الداخلية.

– المحاسبة الجماعية: التقييم من قبل الزملاء

– المحاسبة الشعبية: تقييم الجماهير للأداء

الخاتمة: إن مقولة (أقوياء بلا غرور، متواضعين من غير ضعف) ليست شعاراً، بل مشروعاً أنثروبولوجياً لإعادة صياغة الإنسان العربي. إنها رؤية لإنسان جديد يجمع بين:

1. قوة الفارس وحكمة الحكيم

2. تواضع المتعلم وثقة العالم

3. إرادة المحارب ورحمة الإنسان

الشخصية البعثية في جوهرها هي تركيب جدلي لكل التناقضات، التي عانى منها الإنسان العربي: القوة التي تتحول إلى طغيان، التواضع الذي يتحول إلى ذل، الفردية التي تتحول إلى أنانية، الجماعية التي تتحول إلى قطيعية.

هذا الإنسان الجديد ليس كائناً أسطورياً، بل هو إمكانية واقعية يمكن بناؤها عبر:

1. تربية واعية تنمي التناغم بين القيم

2. ممارسة نضالية تختبر السمات في الواقع

3. مؤسسات دائمة تحول الفردية إلى نمط جماعي

النهضة العربية تحتاج إلى هذا النوع من البشر: بشر يعرفون متى يقفون بشموخ، ومتى ينحنون احتراماً، متى يتكلمون بقوة، ومتى يصغون بتواضع. بشر تجتمع فيهم شجاعة الأسد وحكمة الإنسان.

فكما أن النهضة تحتاج إلى مشروع اقتصادي وسياسي، فهي تحتاج قبل ذلك إلى مشروع إنساني يعيد صياغة الشخصية العربية، لتصبح قادرة على حمل أعباء التغيير، وتحمل مسؤوليات البناء، والصمود في وجه التحديات.

القوة المتواضعة ليست صفة فردية، بل هي ثقافة مجتمعية، ونظام قيمي، ورؤية وجودية تضع الإنسان في القلب، وتجعل من خدمته غاية، ومن كرامته معياراً، ومن حريته هدفاً. وهذا في النهاية هو جوهر المشروع البعثي: بناء إنسان جديد لمجتمع جديد، في أمة تبحث عن مكانها تحت الشمس.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.