في ذكرى استقلال السودان، يعود السؤال الجوهري ليطرق الوعي بإلحاح أكبر: هل نلنا الاستقلال حقًا، أم اكتفينا بمشهد رمزي لم يكتمل؟

صحيفة الهدف

✍🏽 خالد ضياء الدين

فبعد ما يقارب سبعة عقود على رفع العلم، لا يزال السودانيون يتلمسون معنى الدولة، ويبحثون عن جوهر الاستقلال الذي طال انتظاره.

• خرج المستعمر، لكن الدولة، التي كان يُفترض أن تولد قوية وراسخة جاءت هشة ومضطربة. رُفع العلم، غير أن مؤسسات الحكم لم تُبنَ على أسس عادلة، ولم يتشكل وعي اجتماعي جامع يضمن الحقوق ويصون الكرامة. ومنذ اللحظة الأولى، بدا الاستقلال حدثًا تاريخيًا أكثر منه مشروعًا وطنيًا متكاملًا.

• سرعان ما انتقل السودان من قبضة الاستعمار الخارجي إلى دوامة الصراعات الداخلية. تداولت النخب العسكرية والمدنية السلطة، بينما بقي الشعب خارج دوائر القرار، وتحول الوطن إلى ساحة تنازع بدلاً من أن يكون مساحة جامعة. وهكذا، لم يعد الاستقلال وعدًا بالمستقبل، بل ذكرى تُستحضر كل عام دون أن تلامس واقع الناس.

ومع مرور السنوات، أصبح الوطن عبئًا على كثير من أبنائه. أجيال كاملة وُلدت بعد الاستقلال، لكنها لم تعرف سوى الحرب والنزوح والانكسار. لم تختبر معنى السيادة، بل عاشت نتائج غيابها.

تآكل الأمل، وتحوّل حلم البناء إلى رغبة في النجاة، وصار البقاء نفسه شكلًا من أشكال المقاومة.

• ثم جاءت الح.رب الأخيرة لتعرّي المشهد بالكامل. لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل لحظة انكشاف قاسية لمعنى الاستقلال المنقوص. فمع اشتعالها، تراجعت سيادة الدولة، وتوسعت التدخلات الخارجية، وعادت البلاد ساحة مفتوحة لتصفية المصالح، كما لو أن التاريخ يعيد نفسه بثوب جديد. أعادت الح.رب إنتاج مناخ الاستغلال، لا عبر الاستعمار التقليدي، بل عبر الفوضى والانقسام وتعدد مراكز القوة.

• وفي خضم هذا الخراب، يدفع المواطن الثمن الأكبر. في القرى المدمرة والمدن المنهكة، لا يفكر الناس في النظريات السياسية، بل في النجاة، وفي لقمة العيش، وفي مأوى يحمي أبناءهم. هناك، يصبح الاستقلال سؤالًا موجعًا: ما قيمة وطن لا يوفر الأمان لأهله؟

• ومع ذلك، لا يمكن اختزال المأساة في النخب وحدها، فغياب الوعي الجمعي، والصمت الطويل، والقبول بالأمر الواقع، كلها أسهمت في تعميق الأزمة. فالاستقلال ليس مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو امتحان دائم لوعي المجتمع وقدرته على حماية مكتسباته.

• اليوم، يقف السودان أمام لحظة مصيرية. فإما أن يظل أسير ذكرى استقلال بلا مضمون، أو أن يحوّل هذه الذكرى إلى نقطة مراجعة شجاعة تعيد تعريف معنى الوطن والدولة. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالإرادة، ولا تُستعاد إلا حين يؤمن أبناؤها أن الاستقلال ليس حدثًا من الماضي، بل مشروعًا مستمرًا لا يكتمل إلا بالعدل والسلام والسيادة الحقيقية.

إن استعادة معنى الاستقلال ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فبدونها، يبقى الوطن فكرة معلّقة، وتبقى الذكرى مجرّد تاريخ… لا مستقبل له.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.