السودان.. من النهب الممنهج إلى محرقة الح.رب:

صحيفة الهدف

م/ عادل أحمد محمد

حصاد ثلاث عقود من التدمير

لم يكن الفقر، الذي يطحن المواطن السوداني اليوم نتاج صدفة أو شح في الموارد، بل كان تصميماً معمارياً دقيقاً نفذه نظام “الجبهة القومية الإسلامية” منذ انقلاب عام 1989. فالسودان، الذي ينام على جبال من الذهب وسبائك المعادن ويجري بين يديه النيل، أُسقط عمداً في هاوية العوز نتيجة سياسات قائمة على “التمكين” لا “البناء”، وعلى “الولاء” لا “الكفاءة”.

دولة “التمكين”: الاقتصاد في خدمة التنظيم

منذ يومهم الأول، تعامل قادة نظام 1989 مع الدولة كـ “غنيمة”. بدأت المجزرة الاقتصادية تحت مسمى “الصالح العام”، حيث تم تفريغ مؤسسات الدولة من الكفاءات الوطنية واستبدالهم بمنسوبي التنظيم. تحولت موارد البلاد من ميزانية الدولة العامة إلى “جيوب التنظيم” ومؤسساته الموازية. خُصخصت المصانع والمشاريع الزراعية الكبرى (مثل مشروع الجزيرة) لتباع بثمن بخس لمحاسيب النظام، مما أدى إلى انهيار الإنتاج وتحويل السودان من دولة مصدرة إلى دولة تعيش على الهبات والديون.

الجيش والاقتصاد الموازي

إن الكارثة الكبرى تمثلت في سيطرة المنظومة الأمنية والعسكرية التابعة لهذا الفكر على مفاصل الاقتصاد. بدلاً من أن يتفرغ الجيش لحماية الحدود، أصبح هو المستثمر الأول والمنافس الوحيد للقطاع الخاص. سيطرت الشركات التابعة للأجهزة الأمنية على تصدير الذهب، وتجارة اللحوم، والمحاصيل، والاتصالات، بعيداً عن رقابة وزارة المالية وبعيداً عن خزانة الدولة التي لم يصلها من هذه المليارات سوى الفتات، بينما ظل المواطن يعاني من انعدام الدواء وتدهور التعليم .

خرائط ممزقة ودماء تسيل… هكذا تحوّلت أرض السودان الغنية إلى ساحة نهب وتمزيق على يد من استولوا على السلطة منذ عام 1989.”

الح.رب اللعينة: الفصل الأخير من المسرحية

لم يكن كافياً لهذا النظام نهب ثروات البلاد وتجويع شعبها، بل اختتموا المشهد بهذه “الحرب اللعينة” التي اندلعت لإعادة تدوير أنفسهم أو حرق ما تبقى من الوطن. إن الح.رب الدائرة اليوم هي النتيجة الحتمية لسنوات من تغليب مصلحة “التنظيم” على مصلحة “الوطن”، وهي الصرخة الأخيرة لنظام رفض أن يترك السلطة إلا وهي رماد.

لقد قضت هذه الح.رب على “الأخضر واليابس”، ودمرت البنية التحتية المتهالكة أصلاً، وشردت الملايين، في مشهد يثبت أن هذه المنظومة لم تكن يوماً تهدف لبناء دولة، بل كانت عصابة استولت على مقدرات شعب، وعندما حانت لحظة الحساب، فضلت إحراق البلاد على تسليمها لأصحابها.

الخلاصة:

إن أزمة السودان ليست “أزمة ندرة”، بل هي “أزمة لصوص”. إن الطريق نحو المستقبل يبدأ بانتزاع موارد البلاد من أيدي القوى التي استباحتها لثلاثين عاماً، وبناء جيش وطني مهني يبتعد عن دهاليز التجارة والسياسة، لتعود ثروات السودان لأبنائه الذين صبروا على الجوع والنزوح، بينما كانت أموالهم تُهرب للخارج أو تُصرف على رصاص يقت.لهم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.