نواقص ونواقض الاستقلال.

صحيفة الهدف

   بقلم: أحمد مختار

من أشواق التّنمية

إلى الغُبن، ومن الاستغلال إلى الح.روب العدمية.

          (1 -4)

من المهم وبلادنا تستشرف الذّكرى ال70 للاستقلال، وهي في أتون هذه الح.رب الضّروس، أن نقف على العِبر المستخلصة من هذا التّاريخ الطّويل من الخيبات والفشل، وكيف فقد الاستقلال معناه ومضمونه في اللُّغة ووعي المواطن، فالمعنى اللُّغوي الذي يعني الانفكاك والانفصال عن الشّيء، والتّحرر من السّيطرة والتّبعية، والاصطلاحي، الذي يعني تحرير البلاد والشّعب وقراره من سيطرة أي قوى أجنبية أو فئوية، لتُحكم البلاد المعنية بأيدي أبنائها، وتُدير شؤونها بنفسها، دون تدخّل خارجي، لم يتحقّق وانقلبت الآية وأصبحت (القاف) في بلادنا  (غيناً) وتحوّل (الاستقلال) إلى (استغلال)، ووظُّفت الموارد والقدرات الوطنية الهائلة، لمصالح أطراف أجنبية، أو خدمة فئات وشرائح محدودة من الشّعب، على حساب الأكثرية السّاحقة من الكادحين والفقراء من العمال والموظفين والمزارعين والرعاة، الأمر،  الذي أدى إلى استنزاف ثروات البلاد ومواردها وخيراتها وحرمان جموع الشّعب من حقّها المشروع في الحياة الكريمة والتّنمية والتّعليم والسّكن والصٌحة وخدمات الكهرباء والمياه، وتعمّقت ممارسات انتهازية أفرغت الاستقلال من معانيه ومضامينه التّحررية، التي ضحّت من أجلها أجيال من الوطنيين لعقود من الزمان منذ بزوغ الثّورة المهدية.

لقد تجذّرت خلال 69 عامًا الماضية أنماط من التّفكير الطُّفيلي والعقليات الضّيقة، أطّرت سلوكيات من التّعامل في الخدمة المدنية والمشاريع الحكومية والتّجارية بين الأفراد وبين القيادات والمرؤسين، وبين مجموعات والسُّلطة، وبين طبقات وأخري، وحكومات والمواطنين، أساءت للاستقلال وشوّهت معناه في تفكير المواطن العادي، وقدّمت نماذج صارخة للاستغلال والعجز، هي، التي ساهمت في اتساع دائرة الغُبن المجتمعي وفقدان الثّقة في الزعامات التقليدية، ومثّلت مُحرّك

مثالي للح.روب الدائمة والأزمات المستمرة في أطراف البلاد، حتى أصبح السُّودان أوضح نموذج للفشل السّياسي والإداري في المنطقة، فقد أضاعت قياداته هذا الزّمن الطويل من عمر أبنائه في نزاعات هامشية، وصراعات دموية عديمة الجدوى، استهلكت طّاقاتهم وقُدراتهم وعطّلت مواهبهم وعقولهم وأعاقت أي برامج للتّنمية أو نشر الوعي والتعليم، رغم الموارد العظيمة، التي يتمتّع بها وطنهم. ومهما يكن من أمر، لا بد من التّأكيد أنّ الاستقلال، لا يمكن اختزاله في مناسبة رفع العلَم على سارية القصر، في الأول من يناير 1956م، كما لا ينبغي التّقليل من الحدث، الذي شكّل تتويج مهم للحظة مشرقة في تاريخنا الحديث بعد مَسِيرة طويلة من النّضال والحراك الأهلي في مختلف مناطق البلاد، مع ظروف التّخلف، التي كانت تحيط بأهلها.

فالاستقلال حلقات مضيئة من الكفاح والمعارك، انتظمت بلادنا منذ نهاية الدولة المهدية في العام 1899م تدافعاً بالدّعوات الدّينية، لتجديد الثورة- كما سنُبيّن لاحقاً في هذه المقالة- أو رفضاً ومقارعةً لسياسات المستعمر، بما توفّر للأهالي في ذلك الوقت من وسائل وآليات قاوموا بها الضّرائب الباهظة، التي أثقلت كاهلهم وتصدوا في بسالة مشهودة لسياسات الإذلال والتّسلط من الاحتلالين التّركي، ثُمّ الثّنائي -المصري البريطاني-.بعد ذلك حيثُ ظلّ الحراك الوطني والجماهيري والأهلي بطابعه القبلي، في حالة مد وجزر، تقدح وميضه في الذاكرة الشّعبية وعياً، حالات الغضب والإحساس بالظُّلم، وتُشيّد متاريسه المعارك والانتصارات والانكسارات، التى شكّلت روافع عظيمة للاستقلال الذي أعلن في الأول من يناير عام 1956م. وقبل ذلك من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955م.

إنّ معارك الثّورة المهدية، منذ العام 1882م، قد حفرت مجاري عميقة في وعي السُّودانيين بأهمية وحدة بلادهم واستقلالها، ومقاومة الظُّلم أينما كان، ومن أي جهة أتىٰ، بل كان راسخاً في يقينهم، أن وطنهم دولة مستقلّة، منذ 26 يناير 1885م، إلى نهاية دولة المهدية في العام 1899م، حيث كانت تبسط سيادتها على كامل ترابها وحدودها، وتذود عنها بالمُهج والأرواح، ومازال أحفاد أولئك الأبطال، الذين حرسوا الحدود موجودين في تلك البقاع، كدفع الله عربي في الجنوب، وحمدان أبو عنجة في الشّرق، ويُونس الدّكيم في الشّمال وتاج الدين وعلي دينار في الغرب، وهم اليوم جزء من نسيج  تلك الجهات، وهؤلاء أمثلة فقط، لذلك الرّعيل الخالد من أبطال التّاريخ الوطني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.