الشتاء، مرآة الروح الصامتة

صحيفة الهدف

ليلى صلاح

الشتاء يأتي كالذئب، خطوته صامتة، ورائحته بعيدة. يدخل من شقوق الأيام، ويهزّ علينا الباب، لا ليخيفنا، بل ليوقظ شيئًا فينا نسينا أنه حي. الشتاء ليس بردًا، الشتاء كائن، يمشي على أطراف أصابعه فوق العالم، ينفخ في الهواء فيتحول كل شيء إلى همس، ويضع يده على كتف النهار فيقصر ويستحي ويجرّ نفسه ببطء كطفل يستيقظ على غير رغبته. في هذا الفصل تصبح الأشياء البسيطة طقوسًا: كوب شاي بلبن مقنَّن، بخور تيمان وشاف محروق، رائحة قميص منسي، نافذة نصف مغلقة، قط يتمطى بجوار النار، حذاء موضوع قرب الباب كأنه ينتظر اعترافًا. وفي كل تلك التفاصيل يوجد غرض واحد: أن يعيد الشتاء ترتيب أحاسيسنا كما تعيد الريح ترتيب أوراق الشجر.

في الشتاء تصير الروح حادة، وكأن البرد يشحذ أطرافها، فلا تعود تقبل العناق الفاتر، ولا الكلمات الدافئة بالصدفة. فهي تريد حرارة حقيقية، يدًا تعرف مكانها، وقلبًا لا يرتعش خوفًا من الضوء. الهواء في الشتاء له شهقة، كأنه يقول لنا: انتبهوا، هناك شيء يتغير الآن، شيء لا يُرى، شيء يحدث بين أنفاسكم، في المسافة التي تفصل اليد عن اليد، وفي الارتعاشة التي تعبر الذراع قبل أن نقرر من نشتاق.

الشتاء لا يعلمنا الحزن، بل يعلمنا الإصغاء للخطوة البعيدة، للحوار الذي لم يكتمل، لنبضٍ لا يعرف لمن يخاطب، وللأحلام التي تستيقظ فجأة كأنها تتذكر أنها كانت معلقة بين ليلة وأخرى. نتعلم أن الدفء ليس حرارة، بل نجاة، وأن القلب ليس عضلة، بل مصباح، يصغر إذا خفنا، ويكبر إذا وثقنا، ويضيء عندما نحتاجه أكثر مما نحتاج أي شخص.

الشتاء كاتب صامت، يجلس معنا دون أن نراه، ويعيد صياغتنا من الداخل، قطعة قطعة، حتى نصير أكثر رهافة، أكثر انتباهًا، وأكثر قدرة على أن نحب حين يأتي الربيع من جديد. هو ماء بارد يُسكب على الذاكرة، يمسح الأسماء التي أثقلت الرأس، ويعيد إلينا صوتنا الأول، ذلك الصوت الذي خرج من القلب قبل أن تدجّنه الحياة، صوت يقول: أنا هنا، ومن لا يراني فليبتعد.

في الشتاء يتغير الزمن، يتباطأ كأنه يحتضن نفسه، يتراجع قليلًا، ويفسح لنا مجالًا لنلتقط الجرح الذي وقع منا، ونفكر، ليس تفكير العقل، بل تفكير الجسد، تفكير العظم الذي يعرف ما لا نقول. الهواء في الشتاء قاسٍ، لكن قسوته نعمة؛ تضرب وجهنا فنستيقظ، نستشعر وزن رؤوسنا، ونعرف أننا ما زلنا جزءًا من هذا العالم، رغم كل ما فقدناه.

في الشتاء تصبح الأشياء الصغيرة قاسية وجميلة في آن: البخار الخارج من الفم، انكماش الأصابع، ارتجافة الركبتين، كلها علامات أن الجسد يتذكر نفسه، وأن الحياة رغم قسوتها ما زالت تركض فينا دون إذن. الشتاء يطلب منا أن نواجه، أن ننظر في المرآة التي يضعها أمامنا، مرآة بلا ضوء، بلا مجاملة، مرآة تظهرنا كما نحن: ناجين، متعبين، جميلين بطريقة لا نراها عندما يدفأ العالم.

في الشتاء يصبح الدفء معركة صغيرة، نربحها حين يلامس أحدهم أرواحنا بلا خوف، حين نضع رؤوسنا على كتف لا يهرب، حين نسمح لقلبنا أن ينبض بحرية، حتى لو كان كل شيء حولنا يتجمد. الشتاء ليس فصلًا، الشتاء امتحان، من لا يعرف طريقه فيه، لن يعرف معنى الربيع، ومن ينجو من برده، يخرج أكثر وحشية، أكثر رهافة، وأكثر قدرة على الحب، كأنه خُلق من جديد.

#ملف_الهدف_الثقافي #الشتاء #وجدان #تأمل #أدب #روح

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.