محمد شريف
السمات العامة والفلسفة الكلية:
في الثلاثين من شهر أكتوبر الماضي، أجاز مجلس الوزراء السمات العامة والموجهات والأهداف للموازنة الطارئة للعام 2026 مع ثلاثة عشر ملاحظة. ومن أهم ما يمكن قوله عنها أنها منقطعة تمامًا عن موازنة سابقتها لعام 2025. ففي سمتها العامة، أعلنت بوضوح أنها “موازنة حرب” تهدف لدعم المجهود الحربي أولًا، وتتبنى فرضية سياسية/ عسكرية متفائلة جدًا، مفادها “توقع عودة الحكومة إلى العاصمة الإدارية الخرطوم”. كما ركزت على “إعادة الإعمار” وعودة النازحين، معتبرةً عام 2026 “عام الأساس” لإعادة التأهيل.
بينما ركزت موازنة 2025 على “تحقيق الأمن الغذائي” كأولوية قصوى، وتوفير مستلزمات الموسم الزراعي، واهتمت بترتيب البيت الداخلي للخدمة المدنية (سداد استحقاقات العاملين، معالجة الإجازات بدون أجر، فك تجميد التعيينات والترقيات، تعديل البدلات). وكان السياق العام لموازنة 2025 أكثر “تواضعًا” وتركيزًا على تسيير الدولاب الحكومي وتأمين الغذاء، ما يجعلها أقرب للواقعية في ظل ظروف الحرب، حيث تحاول الحفاظ على ولاء الموظفين وتأمين قوتهم.
بالمقابل، تبدو موازنة 2026 “مفرطة في التفاؤل” فيما يخص العودة إلى الخرطوم وإعادة الإعمار السريع، بينما هي “شديدة التقشف” ماليًا. الاعتماد على فرضية العودة للخرطوم قد يجعل التقديرات المالية غير واقعية إذا استمرت الحرب بنفس الوتيرة الحالية.
الاقتصاد الإنتاجي مقابل الاقتصاد الريعي والجبايات:
موازنة 2025: محاولة خجولة نحو الإنتاج
– نصت صراحة على “التوجه نحو تحقيق القيمة المضافة في الصادرات” بدلًا من تصدير الخام.
– ركزت على “الأمن الغذائي” و”صغار المنتجين” و”قطاع الثروة الحيوانية”.
– حاولت تقليل الجبايات عبر “منع أي جبايات ورسوم غير قانونية عبر الطرق”، مما يشير لرغبة في تسهيل حركة الإنتاج.
موازنة 2026: تكريس للاقتصاد الريعي/ الجبائي
– رغم ذكرها للاهتمام بالقطاعات الإنتاجية، إلا أن لغة “التحصيل” و”الإيرادات” هي الطاغية.
– الأهداف العامة تنص صراحة على: “زيادة الجهد الضريبي والإيرادات العامة”.
– السياسات تتحدث عن: “إلغاء الإعفاءات الجمركية والضريبية”، “التزام الوحدات بضريبة الدمغة”، و”مراجعة تكلفة رسوم الخدمات”.
– الاعتماد الريعي يظهر في البنود: (11) “مراجعة سياسات المعادن والعمل على زيادة إيراداتها”، و(41) “زيادة إنتاج النفط”.
الخلاصة: موازنة 2026 تميل أكثر للاعتماد على “عصر” الاقتصاد القائم على الضرائب والرسوم وتصدير الموارد لتمويل الحرب، أكثر من ميلها لخلق قاعدة إنتاجية حقيقية، مما يعكس ضائقة مالية أكبر.
التعامل مع الحرب والإنفاق العام:
موازنة 2025: تعاملت مع الحرب كـ “أمر واقع” يحتاج لمعالجة آثاره عبر الأمن الغذائي ومكافحة الفقر، مع محاولة تخفيف الضغط على المواطن بمنع الجبايات غير القانونية.
موازنة 2026: تعاملت مع الحرب كـ “مشروع استثماري” للموارد، حيث الأولوية القصوى لـ”المجهود الحربي”، واتسمت بالتقشف الشديد تجاه الوحدات الحكومية:”مراجعة الدعم للوحدات المتعثرة” و”التخلص من الشركات الفاشلة”.
كما أشارت صراحة إلى “زيادة الموارد دون أعباء إضافية على المواطن”، وهو ما يتناقض عمليًا مع بنود “زيادة الجهد الضريبي”، “مراجعة رسوم الخدمات”، و”إلغاء الإعفاءات”.
النتيجة النهائية
خطاب موازنة 2026 يعكس أزمة مالية أعمق واستنزافًا للموارد، مما دفع الدولة للعودة بقوة لمربع “الجباية” والبحث عن الإيرادات السريعة (ضرائب، ذهب، رسوم خدمات) لتمويل الحرب، مع وعود مستقبلية غير واقعية بالإعمار. بينما كان خطاب موازنة 2025 يحاول الحفاظ على تماسك الهيكل الإداري للدولة وتأمين غذاء الشعب، وإن فشل عمليًا في ذلك، إلا أنه كان أكثر واقعية في مواجهة ظروف الحرب.

Leave a Reply