سلمى نايل
لم تكن ثورة ديسمبر حدثاً سياسياً فحسب، بل كانت -في جوهرها العميق- تجربة اقتصادية مصغّرة لوطن حلم به الثوار قبل أن تكتبه الدساتير أو تصوغه الموازنات العامة. في شوارع الخرطوم ومدن الأقاليم وعلى الأرصفة التي شهدت المواكب، وُلد نموذج اقتصادي غير مكتوب، لكنه حيّ، نابض وفعّال: اقتصاد التكافل الثوري.
حين خرج السودانيون يهتفون للحرية والسلام والعدالة، لم يكونوا مجرد محتجين، بل كانوا شركاء في مشروع وطني تجريبي، أثبت أن الاقتصاد ليس أرقاماً جامدة، بل قيم تُمارس، وأن العدالة الاقتصادية تبدأ من الشارع قبل أن تصل إلى المؤسسات.
ملامح اقتصاد التكافل الثوري
في ذروة الـ ق.مع وغياب الدولة عن واجباتها، سدّ الثوار الفراغ بأيديهم وقلوبهم، من خلال تبرعات بسيطة لكنها عميقة الأثر:
-
تغطية تكلفة المواكب: من طباعة لافتات ووسائل حماية.
-
الأمن الغذائي الميداني: توفير الوجبات للثوار بلا سؤال عن الاسم أو الانتماء.
-
الصحة التعاونية: علاج المصابين في البيوت والمراكز البديلة حين أغلقت المستشفيات أبوابها أو خضعت للترهيب.
-
الدعم اللوجستي الجماعي: دفع حق المواصلات لمن تقطعت بهم السبل، كي لا يُحرم أحد من حقه في الهتاف.
هنا تحوّل المال من أداة سلطة إلى أداة تضامن، ومن وسيلة تمييز إلى جسر عبور جماعي نحو الحلم.
اقتصاد الرؤية لا اقتصاد الجشع
ما جرى في ديسمبر لم يكن صدفة، بل انعكاساً لرؤية اقتصادية كامنة في وعي الثوار: رؤية تقوم على أن الموارد تُدار لصالح الجميع، وأن الأولوية للإنسان لا للربح. في تلك اللحظات، اختفى الاحتكار، وتلاشى الجشع، وبرز التكافل الاجتماعي في أبهى صوره؛ ذلك الوعي الجمعي الذي يرى حاجة الآخر قبل أن ينطق بها.
لقد قدّمت ثورة ديسمبر درساً بالغ الأهمية للاقتصاديين وصنّاع القرار: أن السودان لا يعاني من فقر القيم، بل من سوء إدارة الموارد. إن شعباً استطاع تمويل ثورته ذاتياً، وحماية جرحاه، وإطعام أبنائه في الشارع، قادر -إن وُجدت الإرادة- على بناء اقتصاد وطني عادل، شفاف ومنحاز للغالبية.
الخلاصة: إن ما فعله الثوار كان صورة مصغّرة لسودان كبير.. سودان تُدار فيه الثروة بروح الجماعة، وتُوزّع فيه الفرص بعدالة، ويكون الإنسان هو رأس المال الحقيقي. لم تكن تبرعات ديسمبر مجرد “دعم لوجستي”، بل كانت بياناً اقتصادياً شعبياً يقول بوضوح: هكذا نريد اقتصادنا.. متكافلاً، عادلاً، وإنسانياً.
#ملف_الهدف_الاقتصادي #ثورة_ديسمبر #اقتصاد_التكافل #السودان #العدالة_الاجتماعية #الوعي_الثوري #التنمية_البشرية

Leave a Reply