لعلَّ المفارقة الأكثر إيلامًا في التجربة السودانية الحديثة هي أن تُطلَق أعتى الانتفاضات الشعبية في ديسمبر 2018 من أجل “حرية، سلام، وعدالة”، ثم تُختَطَف هذه الشعارات وتُحوَّل إلى مجرد ذكرى في سجلات التاريخ، بينما يظل الاقتصاد، عصب الحياة ومعنى السيادة، أسير ذات المنطق الذي ثارت عليه الجماهير.
ففي ديسمبر 2018، لم تكن الحشود تهتف ضد الفقر وحده، بل كانت ترفض نظامًا اقتصاديًا كاملًا، بناه نظام الإنقاذ على ثلاث دعامات واهية:
-
اقتصاد الريع: الذي حوَّل البلاد من سلة غذاء إلى سوق استهلاك، وجعلها رهينة لسلعة واحدة (النفط ثم الذهب).
-
اقتصاد الفساد: الذي نشأ كبنية مؤسسية، ينهب المال العام تحت شعارات دينية، ويُشرَّع النهب بقوانين طارئة.
-
اقتصاد التبعية: الذي سلَّم قراراته لصندوق النقد والبنك الدوليين، وفتح الأسواق أمام السلع المستوردة، فقضى على الزراعة والصناعة المحلية.
لقد كانت الانتفاضة، في جوهرها الاقتصادي، ثورة على نموذج التنمية الفاشل، الذي أنتج أرقامًا مذهلة في النمو (وصل إلى 8% في 2007) بينما ظلّت موائد الناس خاوية، واتسعت الهوة بين طبقة طفيلية تكدس الثروات في الخرطوم ودبي، وأغلبية شعبية تكافح من أجل لقمة العيش.
لكن المفارقة الأعمق هي أن الانتفاضة، رغم أنها أطاحت بالرأس، لم تتمكَّن من اقتلاع الجذور. فالأرقام التي نقدمها في هذا الملحق تكشف عن استمرارية مذهلة في المؤشرات الاقتصادية قبل وبعد ديسمبر:
-
التضخم الذي كان عند 73% في ديسمبر 2018، قفز إلى أكثر من 400% في ذروة الـ ح.رب 2023–2024.
-
سعر صرف الجنيه الذي كان عند 47 جنيهًا للدولار في ديسمبر 2018، تجاوز 1200 جنيه في 2025.
-
الدَّين الخارجي ظل جاثمًا فوق 56 مليار دولار، رغم الإعفاء الفعلي لجزء منها.
بل الأكثر إثارة للتأمل هو أن أدوات الاقتصاد القديم نفسها عادت بقوة بعد الانتقال الهش (2019–2021)، عبر سياسات التحرير الاقتصادي التي نفذتها حكومة حمدوك، وكأن الانتفاضة لم تحدث. فبرنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي (2020–2021) شمل: تحرير سعر الصرف (فبراير 2021)، وخفض الدعم عن الوقود والكهرباء، وزيادة الضرائب غير المباشرة، ما ساهم في ارتفاع التضخم من 99% (2020) إلى 387% (2021).
وهنا نصل إلى السؤال المركزي الذي يناقشه هذا الملحق: هل كان اقتصاد الانتفاضة مجرد شعار، أم مشروعًا بديلاً حقيقيًا؟ إن البيانات المتاحة، من تقارير البنك المركزي السوداني إلى أرقام منظمة العمل الدولية، تشير إلى أن القوى التي قادت الانتفاضة افتقرت إلى رؤية اقتصادية متكاملة، وكانت أقرب إلى رد فعل عاطفي على الفقر، منها إلى مشروع اقتصادي بديل قائم على العدالة والإنتاج.
ولعلَّ أبلغ تعبير عن هذه المفارقة هو ما حدث في الأقطار العربية، حيث تظهر المقارنة بين دول عربية شهدت انتفاضات (تونس، مصر، السودان) وأخرى حافظت على الاستقرار (المغرب، الأردن، عُمان) أن الثورات، رغم شرعيتها الأخلاقية، لم تُنتج بالضرورة نموذجًا اقتصاديًا أفضل، بل غالبًا ما أدت إلى فراغ سياسي استغلته القوى القديمة (الفلول) والقوى الجديدة (رأس المال الطفيلي) لإعادة إنتاج التبعية بوجه جديد.
ففي مصر، ارتفع الدين الخارجي من 35 مليار دولار عام 2011 إلى 165 مليارًا في 2025. وفي تونس، ظل معدل النمو متذبذبًا حول 1–2%، فيما قفزت نسبة الفقر من 15% إلى 25%. أما في السودان، فقد جاءت الـ ح.رب العبثية كضربة قاضية لأي أمل في بناء اقتصاد الانتفاضة، حيث حوَّلت البلاد إلى ساحة لصراع اقتصادات الـ ح.رب، تعتمد على نهب الموارد (الذهب، الأراضي الزراعية) وتهريبها، بدل بناء اقتصاد الإنتاج والعدالة.
ما البديل إذن؟ إن اقتصاد ما بعد الانتفاضة لن يُبنى بشعارات الثورة وحدها، بل بمشروع اقتصادي تحرري يقوم على:
-
العدالة الجغرافية في توزيع الثروة والاستثمار.
-
التنويع الاقتصادي والخروج من دائرة الريع.
-
السيادة الغذائية والدوائية كأولوية أمن قومي.
-
محاربة الفساد الهيكلي عبر محاسبة حقيقية.
-
بناء تحالفات اقتصادية جنوب–جنوب بدل التبعية للشمال.
هذا الملحق يُقدّم تشريحًا عميقًا لواقع الاقتصاد السوداني في ظل الانتفاضة وما بعدها، ويطرح الأسئلة الصعبة:
-
كيف ننتقل من اقتصاد المعاناة إلى اقتصاد العزة؟
-
كيف نحوّل طاقات الشباب الثورية إلى طاقات إنتاجية؟
-
ما دور القطاع الزراعي والصناعي في مشروع التحرر الاقتصادي؟
إنها دعوة لإعادة التفكير في الاقتصاد كقضية ثورية مركزية، فما قيمة حرية لا تطعم الجائع، أو سلام لا يوفر العمل، أو عدالة لا تقسم الثروة بالقسطاس المستقيم؟ الاقتصاد أولاً.. لأن المعنى الحقيقي للاستقلال يبدأ من استقلال الموائد.
#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #اقتصاد_الانتفاضة #ديسمبر2018 #العدالة_الاقتصادية #السيادة_الوطنية #اقتصادات_الحرب #التحرر_الاقتصادي #التضخم #الديون_الخارجية #ثورة_ديسمبر

Leave a Reply