أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة أ. ماجد الغوث
مقدمة: حين يبلغ الشاب السوداني منتصف الثلاثينيات من عمره، يكون قد عايش ثلاث لحظات ثورية كبرى (1964، 1985، 2018)، وشهد سقوط أنظمة شمولية متعاقبة، وشارك — بشكل مباشر أو غير مباشر — في بناء انتقالات ديمقراطية قصيرة العمر، ثم رأى جميعها تنهار. هو ليس شابًا بما يكفي ليُعامل كطاقة مستقبلية، ولا (كبيرًا) بما يكفي ليُعترف به فاعلًا سياسيًا أو شريكًا في القرار. يقف في المنطقة الرمادية بين جيلٍ استهلك عمره في الانتظار، ودولةٍ لا تكف عن تأجيل الاعتراف به.
هذه ليست أزمة جيل عابر، بل أزمة دولة أعادت إنتاج نفسها عبر استنزاف أجيالها. ليست مأساة فردية، بل مأساة بنيوية تتكرر بوصفها نظامًا لا استثناءً.
1. المفارقة الديموغرافية — حين يصبح الشباب فائضًا سياسيًا: السودان، من حيث التركيبة السكانية، بلد شاب بامتياز. تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء وتقارير الأمم المتحدة إلى أن:
أ. ما يقارب 60–65% من السكان دون سن 30 عامًا،
ب. ونحو 55% في الفئة العمرية 15–35 عامًا،
ت. فيما يُعد السودان من أدنى دول العالم في متوسط العمر السكاني (قرابة 20 سنة).
غير أن هذه الكتلة السكانية الهائلة لا تنعكس في بنية السلطة أو القرار. فعند النظر إلى مراكز النفوذ السياسي والحزبي والقضائي والعسكري، يظهر اختلال صارخ:
أ. متوسط أعمار القيادات الحزبية يتجاوز الستين عامًا،
ب. تمثيل الشباب في المؤسسات الانتقالية ظل محدودًا (في أحسن الأحوال أقل من 15%)،
ت. القرار العسكري والأمني يدار بعقل أجيال تشكل وعيها في سياقات تاريخية مختلفة تمامًا.
هكذا تتشكل معادلة غير قابلة للاستقرار: دولة تُدار بمنطق جيل، ويعيش فيها أغلب السكان بمنطق جيل آخر.
والنتيجة: جيل كامل يعيش في “دولة موازية” من التطلعات والاحتياجات، بينما الدولة الرسمية تتحرك ببطء تاريخي لا يعترف به. وإذا تعمقنا في التفاصيل الديموغرافية، نجد أن التوزيع العمري للسلطة يظهر اختلالاً صارخاً:
أ. في المجلس التشريعي الانتقالي: نسبة الأعضاء تحت 40 سنة لا تتجاوز 18%
ب. في الوزارة الانتقالية: متوسط عمر الوزراء 59 سنة، وأصغر وزير عمره 42 سنة
ت. في المحكمة الدستورية: لا يوجد قاضٍ تحت سن 55 سنة
ث. في القيادات الحزبية: دراسة للمركز السوداني لبحوث الرأي العام (2023) تظهر أن 87% من أعضاء الأمانات العامة في الأحزاب الكبرى فوق الـ60
هذه الفجوة العمريّة ليست حادثة عابرة، بل هي نتاج نظام محاصصات سياسي يعيد إنتاج نفسه عبر تهميش الأجيال الجديدة.
2. سيكولوجيا الجيل المعلّق: لا يمكن فهم أزمة الشباب السوداني بمعزل عن الزمن الذي تشكّل فيه وعيه. هذا جيل:
أ. وُلد في ظل العقوبات والحصار،
ب. ترعرع على أخبار الح.روب الأهلية والانقسامات،
ت. بلغ نضجه السياسي مع الثورة والانقلاب وتعقيدات الانتقال،
ث. ودخل كهولته المبكرة على وقع الانهيار الاقتصادي والح.رب.
هذا المسار الزمني المتقطع خلق ما يمكن تسميته (متلازمة الانتظار الأبدي(: انتظار وظيفة لا تأتي، وانتظار دولة لا تكتمل، وانتظار انتقال ديمقراطي لا يستقر. وإلى جانب ذلك، تتشكل هوية ممزقة: هوية وطنٍ تغيّر شكله أكثر من مرة في جيل واحد، وهوية ثورة لم تتحول إلى نظام، وهوية أحلام تعيش في الفضاء الرقمي أكثر مما تعيش في الواقع.
في السودان، لا يتطابق العمر البيولوجي مع العمر الاجتماعي أو السياسي. فالشاب قد يكون في الثلاثين، لكنه يُعامل اجتماعيًا كقاصر، واقتصاديًا كعالة، وسياسيًا كمغامر غير مؤهل. هكذا تُعطّل (الساعة الطبيعية للحياة)، ويُمنع الجيل من عبور مراحله التاريخية.
3. الشابة السودانية: المهمشة مرتين: إذا كان الشباب السوداني يعيش حالة تعليق، فإن الشابة السودانية تعيش تعليقاً مضاعفاً:
أ. تعليق جندري: في مجتمع يحصر المرأة بين دوري الأم والزوجة
ب. تعليق سياسي: نسبة النساء في مراكز القرار لا تتجاوز 12%
ت. تعليق اقتصادي: 68% من الشابات العاملات في القطاع غير الرسمي
ث. تعليق اجتماعي: القيود الأسرية والاجتماعية تحد من حركتهن
المفارقة أن الثورة السودانية الأخيرة كانت ثورة نسائية بامتياز (70% من المشاركين في الأسابيع الأولى كن نساء)، لكن النتائج السياسية لم تعكس هذا الحضور. الشابة السودانية اليوم تقف أمام مفارقة وجودية: هي طاقة الثورة لكنها هامش القرار، هي وجه التغيير لكنها غياب النظام الجديد.”
4. اقتصاد اللامكان — العيش بلا أفق اقتصادي: اقتصاديًا، يعيش الشباب السوداني في فضاء شديد الهشاشة:
أ. البطالة بين الشباب، خاصة خريجي الجامعات، من الأعلى إقليميًا،
ب. متوسط الانتظار للحصول على أول وظيفة يمتد لسنوات،
ت. أغلب من يعملون يفعلون ذلك في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم.
أما مسألة الملكية — الأرض والسكن — فهي تمثل أحد أعنف أشكال الإقصاء الصامت. أسعار السكن تفوق قدرة الشباب بأضعاف، والأرض الزراعية تخضع لقوانين مركزية تجعل الوصول إليها شبه مستحيل دون وساطة أو رأس مال.
ريادة الأعمال، التي تُطرح غالبًا كحل سحري، تصطدم بدولة لا تؤمن بالمبادرة الفردية: إجراءات معقدة، تمويل شبه معدوم، وبيئة قانونية طاردة. والنتيجة: اقتصاد بلا شباب، وشباب بلا اقتصاد. واقع الشباب الاقتصادي أكثر قسوة مما يبدو:
أ. البطالة المقنعة: 35% من الشباب يعملون في القطاع غير المنظم بدخل يومي غير مستقر
ب. فجوة الأجور: خريج الجامعة في القطاع الخاص يتقاضى 45% مما يتقاضاه نظيره في ذات المنصب قبل عشر سنوات
ت. التملّك المستحيل: سعر الشقة المتوسطة في الخرطوم يعادل 15 ضعف متوسط الدخل السنوي للشاب
ث. الزراعة المحاصِرة: 78% من مشاريع الزراعة المروية تتركز في أيدي 12% من الملاك
(مصادر: البنك المركزي السوداني 2023، تقرير منظمة العمل الدولية 2022، مسح دخل وإنفاق الأسرة 2021)
5. التعليم — من أداة صعود إلى آلية طرد: تحوّلت الجامعة السودانية، تدريجيًا، من قناة للترقي الاجتماعي إلى محطة انتظار للهجرة أو البطالة. في سبعينيات القرن الماضي، كان التعليم العالي مرتبطًا مباشرة بالوظيفة والاستقرار. أما اليوم، فقد أصبح شهادة بلا ضمانات. الهجرة الواسعة للكفاءات — خاصة في الطب والهندسة — ليست خيارًا فرديًا فقط، بل تصويتًا جماعيًا بعدم الثقة في الدولة. التعليم لم يعد يصنع مواطنًا، بل يصنع مغادرًا.
6. السياسة بوصفها مسرحًا بلا أبطال جدد: السياسة السودانية تعاني من مفارقة لافتة:
الشباب في الشارع، لكنهم غائبون عن الطاولة. يقودون الاحتجاجات، لكن لا يقودون المفاوضات.
يصنعون اللحظة، لكن غيرهم يكتب نتائجها.
الأحزاب، في معظمها، تعيد إنتاج قياداتها التاريخية، وتتعامل مع الشباب كقوة تعبئة لا كقوة قرار.
وهكذا تتعطل الديمقراطية: لا تداول حقيقي، ولا تجديد للنخب، ولا تعلم من الفشل.
7. السؤال الفلسفي — من يملك حق الخطأ؟: في التاريخ، لكل جيل الحق في أن يخطئ، لأن الخطأ جزء من التعلم السياسي.
لكن الجيل السوداني حُرم حتى من هذا الحق: يرث أخطاء السابقين، ويُحاسَب عليها، ويُمنع من التجربة بحجة (الخبرة).
هنا ينكسر العقد الاجتماعي: الدولة لا توفر الأمان ولا الفرص، لكنها تطالب بالولاء والصبر.
والشباب يقدم التضحيات، لكنه يُستبعد من الثمار.
8. الوطن الافتراضي — حيث يعيش الشباب فعليًا: مع انسداد المجال العام، انتقل الشباب إلى فضاء رقمي بات أكثر حيوية من الدولة نفسها. هناك تُصاغ اللغة الجديدة، وتُنتج الثقافة، وتُبنى شبكات التضامن.
المفارقة أن الاقتصاد الحقيقي — عبر التحويلات — يعتمد إلى حد كبير على شباب يعيشون خارج الوطن أو على هامشه.
9. دروس من التجارب المقارنة: لماذا ينجح بعض الشباب ويخفق آخرون؟: النظر إلى تجارب مشابهة يثري التحليل:
أ. تونس: نجاح نسبي في إدماج الشباب سياسياً (كوتا 30% للشباب في الانتخابات البلدية 2018)
ب. إثيوبيا: رئيس تحت الـ45 وأغلبية وزارية شابة، لكن مع تحديات ديمقراطية
ت. رواندا: نموذج في تمكين الشباب اقتصادياً عبر سياسات واضحة
لكن السودان يقدم نموذجاً فريداً من التعقيد المتراكم:
– تراكم الثورات (3 ثورات في 54 سنة)
– تراكم الهزائم (3 تحولات ديمقراطية فاشلة)
– تراكم الأزمات (اقتصادية، اجتماعية، سياسية)
هذا التراكم يجعل الخروج من الأزمة يحتاج إلى قطع تاريخي وليس إصلاحات تدريجية.
10. السيناريوهات الأربعة: أي مستقبل ينتظر الجيل المعلق؟
السيناريو الأول: التمرد الصامت (الاحتمال: 40%)
– مؤشراته: استمرار الهجرة بمعدل 100,000 شاب سنوياً
– نتائجه: فقدان 30% من الكفاءات الطبية والهندسية كل 5 سنوات
– تأثيره: اقتصاد يعتمد على تحويلات مغتربين غاضبين
– المستقبل: سودان بلا طاقة بشرية، دولة بلا مخيلة مستقبلية
السيناريو الثاني: الانفجار المدوي (الاحتمال: 30%)
– محركاته: وصول الإحباط إلى نقطة اللاعودة
– شكله: ثورة ثانية ترفض كل الرموز القديمة
– مخاطره: عنف واسع، حروب أهلية محتملة
– فرصه: فرصة لقطع تاريخي مع الماضي
السيناريو الثالث: التغيير التراكمي (الاحتمال: 20%)
– آليته: تسلل الشباب عبر الثغرات المؤسسية
– أدواته: التقنية، الاقتصاد الرقمي، المجتمع المدني
– زمنه: تغيير بطيء على مدى 10-15 سنة
– تحديه: صبر جيل لم يعد يملك وقتاً للصبر
السيناريو الرابع: الانهيار الشامل (الاحتمال: 10%)
– صورته: سودان ثانٍ بعد انفصال الجنوب
– عواقبه: حروب إقليمية، مجاعات، تشرد جماعي
– ضحاياه: الجيل الحالي وأجيال قادمة
– المأساة: تحول السودان من مشكلة إلى كارثة”
11. نحو عقد أجيال جديد: مقترحات للخروج من المأزق: الخروج من هذه الأزمة يتطلب مشروعاً وطنياً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأجيال:
اقتصاد تمكين الشباب
أ. وطني لريادة الأعمال: برأس مال 500 مليون دولار
ب. إصلاح قانوني: تسهيل تسجيل الشركات في 48 ساعة
ت. تملّك الأرض: توزيع 30% من الأراضي الحكومية على الشباب
تعليم يبني ولا يهجر
أ. مناهج وطنية: 50% من المحتوى التعليمي ينتج محلياً
ب. شراكات عملية: ربط الجامعات بسوق العمل
ت. حافز البقاء: حوافز مالية للكفاءات التي تبقى في السودان
ثقافة الاعتراف بالجيل
أ. مؤسسات تمثيلية: برلمان شبابي استشاري
ب. إعلام شبابي: تخصيص 30% من البث للبرامج الشبابية
ت. ذاكرة الأجيال: توثيق تجارب الشباب في الأرشيف الوطني
خاتمة: السؤال ليس: هل الشباب مؤهلون؟ بل: هل الدولة مستعدة لأن تُدار بعقل جديد؟
الشباب السوداني ليس مشكلة تحتاج حلولًا، بل حلٌّ مؤجل لمشكلة اسمها الدولة.
الدول التي تخاف من شبابها، تخاف في الحقيقة من المستقبل. والسودان، اليوم، لا يعاني من نقص في الأمل، بل من فائض في الخوف من التغيير. السودان ليس بلدًا يبحث عن مستقبل، بل مستقبلٌ يبحث عن بلد.

Leave a Reply