النسوية السودانية: حركة إصلاحية متجذّرة في المجتمع والنضال الوطني

صحيفة الهدف

ندى موسى

تُعدّ الحركة النسوية في الفلسـ.طين والسودان من أقدم وأكثر الحركات وعيًا وتنظيمًا في المنطقة العربية والأفريقية، إذ نشأت منذ بدايات القرن العشرين كحركة اجتماعية إصلاحية هدفت إلى رفع الظلم عن المرأة وتمكينها من أداء دورها الطبيعي داخل المجتمع، دون تقديم قضايا النساء في إطار صراع مع الرجل أو قطيعة مع القيم الثقافية والدينية السائدة. وقد انطلقت هذه الحركة من فهم عميق لطبيعة المجتمع السوداني، وسعت إلى التغيير التدريجي القائم على الإصلاح والعدالة الاجتماعية.

تركّزت أهداف الحركة النسوية السودانية منذ بداياتها على تعليم المرأة وبناء وعيها بحقوقها وواجباتها، وتمكينها اقتصاديًا، وإشراكها في القضايا الوطنية الكبرى، مع التأكيد على أهمية الأسرة والحفاظ على تماسكها واحترام الخصوصية الثقافية للمجتمع. ولم تنفصل قضايا المرأة عن الهمّ الوطني العام، بل كانت جزءًا أصيلًا من مشروع التحرر ومقاومة الاستعمار وبناء الدولة الحديثة.

وما ميّز النسوية السودانية عن غيرها هو تنظيمها المبكر منذ أربعينيات القرن الماضي، وارتباطها الوثيق بالنضال الوطني، إضافة إلى نزعتها العملية التي انحازت إلى تحقيق مكاسب ملموسة للنساء في التعليم والعمل والمشاركة العامة. وقد تجلّى ذلك في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني، وفي الحضور الفاعل للمرأة داخل النقابات، ومؤسسات التعليم، والعمل الصحي والاجتماعي.

برزت في مسيرة الحركة رائدات كان لهن أثر واضح، من بينهن فاطمة أحمد إبراهيم، أول امرأة تدخل البرلمان السوداني وأحد مؤسسي الاتحاد النسائي، وخالدات زاهر من أوائل الطبيبات والناشطات، ونفيسة أحمد الأمين التي أسهمت في ربط قضايا المرأة السودانية بالمحيطين الأفريقي والعربي. كما لعبت النساء دورًا مهمًا في المجال الثقافي والفني، حيث أسهمت فنانات مثل منى الخير، وعشة الفلاتية، وحواء الطقطاقة في توظيف الغناء كوسيلة للتعبير عن الوعي الوطني وتعزيز روح المقاومة.

ولم يقتصر دور المرأة على السياسة والثقافة، بل شمل مجالات أخرى كالصحة عبر “الداية” التي شكّلت ركيزة أساسية في حياة المجتمع، وكذلك مجال الرياضة الذي شهد مشاركات نسائية مبكرة رغم القيود الاجتماعية. ويعود تاريخ مشاركة المرأة في النضال الوطني إلى عصور أقدم، حيث خلد التاريخ أسماء مثل مهيرة بت عبود، والكنانية، وغيرهن من النساء اللواتي شاركن في الدفاع عن الأرض والكرامة.

وفي التاريخ الحديث، قدّمت المرأة السودانية تضحيات جسيمة، وبرزت شهيدات النضال في المسيرات والانتفاضات، مثل أم عسول، لتؤكد أن حضور المرأة في ساحات النضال لم يكن طارئًا، بل متجذرًا وعميقًا في وجدان المجتمع السوداني.

وتكمن قوة الحركة النسوية السودانية في أنها سعت إلى العدالة لا التطابق، وإلى إصلاح واقع المرأة من داخل منظومة المجتمع وقيمه، وهو ما منحها قبولًا مجتمعيًا واستمرارية جعلتها من أكثر التجارب النسوية تأثيرًا في المنطقة.

#ملف_المرأة_والمجتمع #النسوية_السودانية #الوعي #نضال_المرأة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.