إنصاف الشفيع
أيام قليلة تفصلنا عن بداية العام الجديد، لتطل ذكرى الأول من يناير، الذكرى السبعون لاستقلال السودان، السودان الذي يعيش أسوأ فتراته… حيث يدور القتـ.ال في مناطق عديدة من أراضيه، وتتقاذف أبناءه المنافي، بين نازح ولاجئ، لتستمر معاناتهم في كل مكان، وتأتي هذه الذكرى فتصب المزيد من الملح على جروحٍ ما قُدر لها أن تبرأ يوماً.
أكثر ما أفكّر فيه وأحمل له همّاً هو مدى تأثير حقبة الحـ.رب على فئة الأطفال والمراهقين، فرغم قسوة تأثيرها على الفئات الأكبر عمراً، إلا أن تأثيرها على الأولى أعنف وأشد خطراً، حتى وإن لم يبدُ ذلك واضحاً لهم أو لمن حولهم. فمظاهر الحـ.روب القاسية وتأثيراتها النفسية تظل حبيسة اللاوعي عندهم، وتنعكس على حيواتهم وشخصياتهم بصورة قد تؤثر على مستقبل هذه الأجيال.
لمى؛ طفلة سودانية كانت في العاشرة من عمرها حين اضطرت أسرتها للخروج بها من السودان عقب نشوب الحـ.رب، تعرضت هي وأشقاؤها لكثير من المصاعب في رحلة الخروج هذه، حتى استقر بهم المقام في إحدى الدول العربية لتنعم أخيراً بالأمن والاستقرار، وتواصل مسيرتها الدراسية بإحدى المدارس هناك، وسط زميلات من جنسيات عديدة.. بعيداً عن مكان مولدها ونشأتها ودراستها، لكنها ما زالت تحمل بين أضلعها قلباً ينبض بحب ذاك المكان.
قصة لمى مشابهة لقصص العديد ممن هم في مثل عمرها… جيل آذته الحـ.رب كثيراً وشوّهت طفولته البريئة بصورة قاسية، رغم أنها تعتبر في عداد المحظوظات مقارنة بمن حكمت عليهم الظروف بالبقاء في مناطق الحـ.رب أو النزوح، فانقطعت أعداد كبيرة منهم عن الدراسة في سنوات الحـ.رب الثلاث.
تدور في ذهني تساؤلات كثيرة حول معنى (عيد الاستقلال) في أذهان (أطفال الحـ.رب) إن صحت التسمية… ماذا تعني لهم هذه الكلمة وكيف يشعرون تجاهها.. في وقت أصبحت فيه كلمة (الوطن) نفسها تحمل عندهم عدة تفسيرات ومعانٍ.. فأطفالنا لم يسمعوا لما يقرب من الأعوام الثلاثة شيئاً عن الأول من يناير، ولا احتفلوا بذكراه في المدارس، ولم تعانق أسماعهم الأناشيد الوطنية… وأخشى ألا يعرف معظمهم دلالة هذا التاريخ وأهميته بالنسبة للسودان والسودانيين.
أزعجني هذا الخاطر فهرعت بأسئلة عن هذا اليوم إلى الصغيرة لمى، طالبة منها الإجابة عما تعرفه من معلومات، دون اللجوء لمساعدة من والديها أو إخوتها أو الإنترنت… لم تفاجئني إجاباتها التي عكست عدم دراية بكثير من الحقائق حول استقلال السودان، لكنني فوجئت بفيض هائل من مشاعر الحب لوطن تفتقد ترابه وتحن إليه، وطن لها فيه ذكريات عزيزة تحملها بين جوانحها وتحلم دوماً بالرجوع إليه… فوجئت بمشاعر الفخر التي تحسها الصغيرة تجاه كل جمال وكل نجاح وتميز صنعته أيادٍ سودانية…
حدثتني عن أملها في أن تتوقف الحـ.رب في السودان. حدثتني عن رغبتها في أن يتحدث الجميع عن بلادها المنسية. أخبرتني عن حديثها لزميلاتها غير السودانيات، عن بلادٍ تركتها مرغمة ولا تدري متى تعود إليها.. عن اللهجات والثقافات المتنوعة فيها.. عن النيل الذي تعشقه.
لكن أكثر ما أثار دهشتي هو اعتقادها بأن استقلال السودان تم في العام ٢٠١٩… تساءلتُ، هل أتى اختيارها لهذا التاريخ نتيجة ربطها اللاواعي لما تحمل من ذكريات لمواكب وشعارات الثورة السودانية بحدث كالإستقلال؟ فأنا شخصياً ما زالت لدي قناعة راسخة بأن ثورة ديسمبر العظيمة كانت ستؤدي لمولد سودان جديد، وكان ليُعد استقلالاً حقيقياً للسودان وإنسانه.
أثارت إجابات لمى على أسئلتي الكثير من الشجن في نفسي، وأعادتني الذكرى إلى احتفالات الاستقلال التي كانت تقام سنوياً، في الأول من يناير كل عام وأنا تلميذة في مثل عمرها تقريباً، حين كنا نسعد بالمشاركة في فعاليات الاحتفال بإشراف إدارات المدارس ورؤساء الجمعيات الأدبية والثقافية، لا زلت أذكر انطلاقة الموكب وسط الموسيقى وزغاريد الأمهات عند مرورنا بالشوارع الرئيسية للمدينة، ونحن متجهون صوب ميدان الاحتفال نردد بحماس:
اليوم نرفع راية استقلالنا… ويسطر التاريخ مولد شعبنا…
كانت مدينة الروصيرص، حيث كنا نسكن، تشكّل، بكل من فيها وما فيها، لوحة فائقة الجمال.
الآن، ورغم كل ما مررنا ونمر به، يظل الأول من يناير ذكرى لا نملك إلا أن نتذكرها ونقف عندها… نغني فيها السودان، الوطن، الحلم، ونبكي على ما صار إليه حاله وحالنا جميعاً.. وكما غنينا له في سنوات نعمنا فيها بالسلام والأمن والوحدة، ستغني الأجيال الجديدة لذكرى الاستقلال وذكرى رفع علم السودان… ولكأني بصغيرتي لمى ترنو إليّ بعينيها الدامعتين وهي ترفع صوتها بالغناء:
“آخر سؤال ليك يا وطن… رفعوا العلم… رفعوه ليه فضل الألم؟ في كل شبر… دمعات ودم”
#ملف_المرأة_والمجتمع #استقلال_السودان #أطفال_الحرب #الوطن

Leave a Reply