سلوى أبسام
شكّلت قضية المرأة عبر التاريخ الإنساني أحد أكثر القضايا تعقيدًا، لتداخل أبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ولم يكن الاهتمام بأوضاع النساء شأنًا منفصلًا عن مسارات التغيير العام، بل ظلّ مؤشرًا دالًا على مستوى تطور المجتمعات وقدرتها على تحقيق العدالة والمشاركة المتكافئة. وفي هذا السياق برزت الحركة النسوية بوصفها إطارًا فكريًا ونضاليًا يسعى إلى تفكيك أنماط التمييز المرتبطة بالنوع الاجتماعي، وتحقيق المساواة، وتمكين النساء من المشاركة الفاعلة في المجال العام.
الجذور التاريخية للحراك النسوي السوداني
تستند التجربة النسوية السودانية إلى جذور تاريخية عميقة. ففي الممالك النوبية القديمة، اضطلعت النساء بأدوار قيادية بارزة، وعُرفن بلقب «الكنداكات»، حيث جمعن بين السلطة السياسية والرمزية الاجتماعية. وفي التاريخ الحديث، برزت شخصيات نسائية لعبت أدوارًا محورية في مقـ.اومة الاستعمار، من بينها مهيرة بت عبود، التي أسهمت في تعبئة المجتمع خلال المواجهات العسكرية في القرن التاسع عشر.
ومع تطور التعليم وبروز الوعي الوطني في النصف الأول من القرن العشرين، توسّعت مشاركة النساء في المجال العام، وبرز العمل النسوي المنظم من خلال النقابات والجمعيات (الممرضات – المعلمات)، وصولًا إلى تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، الذي مثّل نقطة تحوّل في الانتقال من العمل الاجتماعي الخيري إلى النضال السياسي المنهجي من أجل الحقوق.
التمكين السياسي في السياق السوداني
حصلت المرأة السودانية على حقوق سياسية مبكرة مقارنة بالعديد من الدول العربية والإفريقية، إذ نالت حق التصويت عام 1953 وحق الترشح عام 1963، ودخلت البرلمان لأول مرة بعد ثورة أكتوبر 1964. كما شهدت فترات الحكم الديمقراطي توسعًا نسبيًا في مشاركة النساء، قبل أن تتعرض هذه المكاسب لانتكاسات متكررة بفعل الانقلابات العسكرية، لا سيما بعد عام 1989، حيث فُرضت منظومة قانونية حدّت من الحقوق والحريات، من بينها قوانين النظام العام والأحوال الشخصية.
الخصوصية السودانية في سياق مقارن
لا يمكن قراءة تجربة المرأة السودانية باعتبارها امتدادًا مباشرًا للحركات النسوية العربية أو الإفريقية، بل بوصفها تجربة ذات خصوصية نابعة من السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي للبلاد. فقد تشكّل الحراك النسوي السوداني في ارتباط وثيق بالحركة الوطنية، ما أفضى إلى اندماج قضايا النساء ضمن مشروع التحرر العام، بدل بقائها حراكًا اجتماعيًا معزولًا.
تشير البيانات السكانية إلى أن النساء يشكّلن نحو نصف سكان السودان، وتتركز غالبيتهن في المناطق الريفية، مع حضور ملموس في قطاعات العمل المختلفة، لا سيما في الأقاليم الوسطى والغربية والجنوبية. ورغم هذه المشاركة، ما تزال النساء يواجهن تحديات بنيوية تتصل بضعف التمكين القانوني والاقتصادي والسياسي، وارتفاع معدلات الأمية والفقر، وتأثير النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي، الأمر الذي حدّ من الاستفادة العملية من النصوص الدستورية واتفاقيات السلام التي أقرت نسبًا متقدمة لمشاركة النساء.
مقارنة بالحراك النسوي العربي والإفريقي
اتسم الحراك النسوي في الوطن العربي بتركيزه على الإصلاحات القانونية والمؤسسية، وغلب عليه الطابع النخبوي والتمركز في المدن الكبرى، ما حدّ من امتداده الشعبي. أما في إفريقيا، فقد ارتبط نضال النساء تاريخيًا بمقـ.اومة الاستعمار وبقضايا الأرض والإنتاج المعيشي، وتميّز بفاعلية قاعدية واضحة، لكنه افتقر في كثير من الحالات إلى التنظيم السياسي طويل الأمد وإلى التأطير الفكري والإعلامي.
في المقابل، تميّز الحراك النسوي السوداني بقدرته على الجمع بين البعدين السياسي والاجتماعي، وباتساع قاعدته الاجتماعية والجغرافية، من الريف إلى الحضر، ومن المركز إلى الهامش، ما أكسبه طابعًا جماهيريًا واستمرارية ملحوظة رغم القمع والاضطرابات.
الثقافة والصمود كأدوات نضال
من السمات اللافتة في التجربة السودانية قدرة النساء على توظيف العناصر الثقافية والرمزية في الفعل السياسي، حيث تحولت الأغنية والهتاف والزي التقليدي إلى أدوات تعبير ومقـ.اومة. وقد تجسّد ذلك بوضوح في ثورة ديسمبر 2018، التي شهدت حضورًا نسويًا كثيفًا، أعاد رمز «الكنداكة» إلى الواجهة بوصفه تعبيرًا عن القيادة والصمود.
تؤكد المقارنة بين الحركات النسوية السودانية والعربية والإفريقية أن خصوصية التجربة السودانية تكمن في اندماجها البنيوي مع المشروع الوطني، وفي قدرتها على الحفاظ على استمرارية النضال رغم السياقات القمعية والمتغيرة. وتقدّم هذه التجربة نموذجًا لحراك نسوي لا ينفصل عن قضايا الحرية والعدالة والسلام، ويطرح مقاربة شاملة لفهم العلاقة بين تمكين النساء والتحول الديمقراطي في المجتمعات المتعددة الثقافات.
#ملف_المرأة_والمجتمع #الحركة_النسوية #الكنداكة #تحليل_سياسي

Leave a Reply