عبد الحفيظ مريود
صديقي الفنّان/ محمّد بشير.. يا للجَمال الكامِن في الهُويّات المُختلَف حولها.. سأخبرُكَ شيئًا: كانت قناة “سودانيّة 24” قد تعاقدتْ معي، مُصمّمًا للهُويّة ومديرًا لأوجه العرض، عام 2016م. كان هناك شبابٌ جميلون، مثل رقراق المياه في جداول خريفيّة في جبل مرّة. تعرفهم جميعًا: وئام شوقي، حازم حلمي، هناء النفيدي، تجاني خضر، محمّد عبد الله، قُصُر، بيومي، لوشي، أنس رضوان، الفاتح أبو قوتة، وآخرون.
ذات مرّة – والطاهر حسن التوم حريصٌ على الأفكار وإنزالها أرضًا – كان عليَّ أن أدير ورشةً صغيرةً عن “ما هي الهُويّة”. أفترض أنّك لن تحضر ورشةً بهذا العنوان، فأنت أرفع من ذلك. سيكون من الضروري أن تضع أسسًا تقود تفكير الشباب، في زمنٍ يتعذّر فيه الانهماك في قراءة الكتب بالنسبة إليهم. كنّا في الاستوديو الكبير، فوق. سأحاول أن أجد طرائق لأجسّر المسافات بيننا. قلتُ لمن حضر منهم: “سنعمل على تقريب المسألة عبر الأغنية السودانيّة”.
مثلًا: “أبدًا ما هُنتَ يا سوداننا يومًا علينا”. وهو نشيد، أو أغنية وطنيّة، تأتي في ذروة الوجدان السودانيّ. صاغ كلماتها الشاعر العظيم محمّد الفيتوريّ، المولود في الجنينة، أقصى غرب السودان، سليل بيت السلطان تاج الدين. ومحمّد وردي من أقصى شمال السودان، منطقة السكّوت، جزيرة “صواردة”. ما الذي يجعلك تلتف حولها؟ لماذا تعبّر عنك؟ “وإذا الفجرُ جناحانِ يرفّانِ علِيك”.
التعقيدات، الأنسجة الدقيقة المتشابكة التي تجعل شيئًا ما يخصّك، لا يخص تشاد، مصر، الفلبين، والكونغو الديمقراطيّة. هو الشيء الذي يجعل “أيوب” في وادي حلفا يلبس “المركوب” القادم من دارفور، والجلابيّة الأمدرمانيّة، ولا يستطيع أن يلبس الزيّ الصعيديّ الأقرب إليه جغرافيًّا. يتشارك الوجدان العاطفيّ السودانيّ كلمات أبو آمنة حامد، القادم من “هيا” من مجاهيل جبال الشرق: “جايي تعمل إيه معانا.. بعد ما ودّرتنا”، رائعة الجابريّ القادم من القضارف، مثلًا، دون أن يتساءل – وهو في قمّة الوجد والمحبّة – كيف تصنّعت القطعة الفنيّة هذه. لا يعنيه التضاريس الجغرافيّة، ولا الحمولات الثقافيّة والانصهارات المجيدة التي أنتجت الشاعر والملحّن والمغنّي. لكنّ هناك خرائط، معارف، مكنونات مطمورة وظاهرة، هي التي تسهم – دون أن تكشف عن ذاتها – في خلق المنتج النهائيّ الذي يجعلك حفيًّا، طربًا، ومرتاحًا؛ فقد حصلتَ على شيء يخصّك، يعبّر عنك.
وكذا يجري الأمر فيما يتعلّق بواحدة من أيقونات مصطفى سيد أحمد: “والله نحنا مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة”. هل يضيف إليك شيئًا أن يكون شاعرها من “الفاشر”؟ هل يضيف إليك شيئًا أن يكون الموسيقار القادم من جبال النوبة، يوسف القديل، هو من لحّن رائعة محمود عبد العزيز “من الظروف ما تشيلي همّ”؟ والكثيرات من نواضر الحوت؟ أو أن شاعر “ظالمني شوف من كم سنة” هو من جبال النوبة؟ ما الضروريّ هنا؟
تتمسّك، صديقي محمّد بشير، بأنّني صرت قبليًّا. كان لديك اعتراض – ونحن في سودانيّة 24 – أن أسمّي روايتي الوحيدة “أقراط الحلفاويّة”. تظنّ أنّني بذلك أُعلي من شأن الفرقة والشتات، وأتساهل في مسألة حسّاسة، وأُثير النعرات، في الوقت الذي يجب أن أكون فيه كائنًا جماليًّا، أرفع من القبيلة، وأنصهر في الوطنيّ، الإنسانيّ، الكونيّ. كان ذلك قبل الح.رب. ثم لم ترَ في موقفي – بعد الح.رب – إلّا عودةً، رِدّةً بئيسةً إلى القبليّة. معك حقّ. مدخلي إلى القبيلة، منذ عشرات السنين، كان مدخلًا جماليًّا. أنا ابن السكة الحديد، كائن مدينيّ منصهر في الجميع. لكن من قال إن القبيلة – في أصلها الأوّليّ، شيء قبيح؟ من قال إنّها شيء يجب أن نتبرّأ منه؟ أن نعاديه؟ أن نستنكف أن ننتمي إليه، أو أن “نجيب سيرته”؟ من من الآدميّين اختار انتماءه أصلًا؟ أنت ابن “أركويت”. خرطوميّ خالص، خريج كليّة الفنون الجميلة والتطبيقيّة. كيف لا ترى جمال القبيلة؟ أيفترض بك – وأصلك في كبوشيّة – أن تنصرف إلى “وهم الإنسانيّة”؟ ألّا ترى جمالًا في كونك جعليًّا؟ ما الذي يعيب في “الجعليّين”؟ ما القبيح في كونهم جعليّين؟ ما القبيح في الشايقيّة، في بني عامر، في الشلك، في الزاندي، في الفلّاتة، في بني هلبة، في النوبة، في الكبابيش؟ ما القبيح في الخواجات، في الأفارقة، في الآسيويّين، في الهنود الحمر، في سكّان أستراليا الأصليّين؟
لا أرى في كلّ ذلك إلّا جمالًا. لا أرى في “أقراط الحلفاويّة” إلّا جمالًا. لا أرى في كلّ أحد إلّا جمالًا، بما هو ابن آدم في الأصل. تظنّ أنّني عدتُ إلى مضارب القبيلة؟ إلى كراكيرها؟ إلى صحرائها؟ كلا. لم أعد، ولا ينبغي لي. لكنّني لا أرى في أيّ قبيلة إلّا جمالًا. لا أرى في وجودها إلّا معنى أوّليًّا لما هو إنسانيّ. هل تقصد الح.رب؟ من يحبّ الح.رب ومن يمجّدها؟ لا للح.رب. مائة مرّة. ألف مرّة. مليون مرّة. لكن حين تنشب يتوجّب أن تتّخص منها موقفًا، أن ترى فيها جمالًا كامنًا، أن ترى ما يمكنها أن تنجزه، ولو بعد حين. والموقف الصحيح هو الذي يمكّنك من أن ترى – في نهاية المطاف – أيّ قبح ستكون الح.رب قد وضعت له حدًّا، لصالح الجمال المطلق. تحيّاتي ومحبّتي العميقة..
#ملف_الهدف_الثقافي #عبد_الحفيظ_مريود #هوية #فن #السودان #أدب

Leave a Reply