قراءة في (إعلان المبادئ السوداني (: من بيان سياسي إلى لحظة تأسيسية محتملة لدولة ما بعد الح-رب

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة                   أ. ماجد الغوث

أولًا: الإعلان بوصفه حدثًا تاريخيًا لا مجرد بيان:

لا يمكن قراءة (إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد) باعتباره بيانًا سياسيًا تقليديًا يصدر في سياق أزمة عابرة. الوثيقة، في بنيتها ومضامينها ولغتها، تمثل انتقالًا نوعيًا من خطاب الإدانة إلى خطاب التأسيس. إنها ليست ردّ فعل على الح-رب فقط، بل محاولة واعية لإعادة تعريف الدولة، والشرعية، والفاعل السياسي في السودان.

ما يميّز الإعلان أنه ينزع صفة (القدر) عن الح-رب، ويعيد تحميلها صراحة إلى الفاعلين العسكريين والتنظيمات المؤدلجة، التي حكمت السودان بالقهر والعنف لعقود. بهذا المعنى، الإعلان لا يكتفي بإدانة الح-رب، بل يسحب عنها غطاء الضرورة التاريخية، الذي طالما احتمت به النخب المسلحة.

فلسفيًا، نحن أمام لحظة شبيهة بما يسميه( هابرماس) إعادة التأسيس التداولي للشرعية: حيث تنتقل السلطة الرمزية من السلاح إلى الإجماع المدني.

تاريخيًا، يأتي هذا الإعلان في سياق دولة لم تعرف الاستقرار المدني منذ الاستقلال، حيث ظل الجيش، مرة باسم الأمن ومرة باسم الأيديولوجيا، هو الفاعل الأعلى. من هنا، فإن أهمية الإعلان لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه أول وثيقة مدنية تُعلن بوضوح انتهاء صلاحية النموذج، الذي حكم السودان منذ 1958.

إذا كان توصيف الإعلان بوصفه لحظة تأسيسية قد أصبح واضحًا، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد: ماذا يقول الإعلان؟ بل: ماذا يكشف عن حدود السياسة السودانية القديمة؟

ثانيًا: جوهر الإعلان – قلب معادلة القوة والشرعية:

يؤسس الإعلان لثلاث قطيعات كبرى مع التاريخ السياسي السوداني الحديث:

1. القطيعة مع منطق (الحل العسكري(: تنص الوثيقة بوضوح على أنه لا وجود لأي حل عسكري لأسباب الح-رب أو جذورها، وتضع السلام، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية في قلب أي مشروع وطني جديد. هذا الطرح لا يبدو بديهيًا في سياق سوداني اعتاد فيه الفاعلون السياسيون المساومة على السلاح بدل تفكيكه. هنا، الإعلان يعلن — صراحة — نهاية صلاحية العنف كأداة حكم.

2. القطيعة مع الدولة المؤدلجة: أخطر ما في الوثيقة — وأعمقه أثرًا — هو النص الصريح، الذي يقرر أن مستقبل السودان لا يمكن أن تقرره الحركة الإسلاموية والمؤتمر الوطني وواجهاتهما، مع الدعوة لتصنيفها تنظيمات إرهابية ومحاسبتها على جرائم-ها التاريخية . هذه ليست فقط إدانة سياسية، بل تفكيك فلسفي لفكرة (الدولة العقائدية( التي اختطفت الدولة وأجهزتها وحولتها إلى أدوات قمع. الإعلان هنا يتجاوز التسويات الرمادية، ويختار الوضوح الأخلاقي.

3. القطيعة مع احتكار الدولة للعسكر: الوثيقة تطرح تصورًا جديدًا جذريًا لمفهوم الدولة:

أ‌. جيش واحد

ب‌. مهني

ت‌. غير مسيّس

ث‌. خاضع للسلطة المدنية

ج‌. يعكس التنوع السوداني

وهذا يعني أن الإعلان لا يتحدث عن (إصلاح أمني)  تقني، بل عن إعادة تعريف العلاقة بين القوة والسياسة.

القطيعة مع الدولة المؤدلجة ليست مجرد موقف سياسي، بل هي تفكيك صريح في نص الإعلان. فالبند السادس يذهب إلى حد المطالبة بتصنيف الحركة الإسلاموية/المؤتمر الوطني وواجهاتهما كـجماعة إره-ابية، واستبعادها من العملية السياسية، وتصفية تمكينها في أجهزة الدولة والاقتصاد. هذه اللغة القانونية-السياسية الحادة تنتقل من منطق (المصالحة) مع النظام السابق إلى منطق (المحاسبة والتفكيك)، مما يجعل من الإعلان وثيقة لتأسيس شرعية جديدة قائمة على القطع مع مصدر الشرعية السابق.

ثالثًا: الإعلان كإطار جامع لا كتحالف عابر:

من الناحية السياسية، أهمية الإعلان لا تكمن فقط في نصه، بل في خريطته التوقيعية. نحن أمام طيف واسع يضم:

1. أحزابًا قومية وتقدمية،

2. حركات مسلحة ،

3. نقابات،

4. لجان مقاومة،

5. منظمات مجتمع مدني،

6. شخصيات فكرية وأكاديمية مستقلة.

هذا التنوع يحوّل الإعلان من وثيقة نخبوية إلى نواة محتملة لعقد اجتماعي جديد.إنه أول نص منذ  انتفاضة ديسمبر الثورية ينجح في الجمع بين:

أ‌. مطلب وقف الح-رب،

ب‌. مطلب العدالة،

ت‌. مطلب إعادة بناء الدولة، ضمن سردية واحدة غير انتقائية.

رابعاً : التشريح العملياتي:

وراء العمق الفلسفي للإعلان، تكمن أسئلة عملياتية حاسمة: كيف تتحول هذه المبادئ إلى واقع؟ الإعلان يقدم بعض الآليات الضمنية:

1. الربط الزمني الواضح: ربط (الهدنة الإنسانية)، (3 أشهر) بـ(العملية الانتقالية) (9 أشهر) كحزمة واحدة غير قابلة للتجزئة.

2. الشرطية المسبقة: جعل (القيادة المدنية الخالصة) شرطًا لأي عملية انتقالية، باستبعاد الأطراف المتحاربة.

3. الأداة الدولية: توظيف الإعلان كمرجعية للضغط عبر المطالبة بـ(تصنيف إرهابي) على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.

هذه العناصر تحول الإعلان من بيان مبادئ إلى خارطة طريق تكتيكية، (وإن كانت تحتاج إلى تفصيل أكبر).

خامسًا: ما الذي يمكن أن يترتب على الإعلان مستقبلًا؟

1. إعادة تشكيل الفاعل السياسي المدني: إذا جرى البناء على الإعلان، فإنه يمكن أن يشكل مرجعية مدنية موحدة تكسر حالة التشتت، التي سمحت للعسكر بإطالة أمد الح-رب. الإعلان يوفر لغة مشتركة، وأولويات واضحة، وخطوطًا حمراء.

2. . نقل مركز الضغط من الخارج إلى الداخل: كثير من المبادرات الدولية فشلت لأنها تفاوضت مع السلاح لا مع المجتمع. هذا الإعلان — إذا تحوّل إلى حركة سياسية منظمة — يمكن أن يعكس المعادلة: بدل أن ينتظر السودانيون الحل من الخارج، يقدمون مشروعهم، ويطالبون العالم بدعمه لا بتجاوزه.

3. تأسيس مشروعية ما بعد الح-رب: في مرحلة ما بعد الح-رب، ستُطرح أسئلة الشرعية بقوة:من يحكم؟ وبأي حق؟ هذا الإعلان قد يتحول إلى وثيقة مرجعية انتقالية تُستدعى عند تشكيل أي سلطة مدنية، أو حكومة انتقالية، أو مؤتمر دستوري.

سادسًا : التحديات الواقعية أمام الإعلان: رغم عمقه، يواجه الإعلان تحديات جسيمة:

1. غياب ميزان قوة ميداني مدني،

2. محاولات اختراقه من قوى عسكرية بواجهات مدنية،

3. التدخلات الإقليمية، التي لا ترى في السودان دولة مدنية بل ساحة نفوذ،

4. خطر تحوله إلى وثيقة أخلاقية بلا أدوات تنفيذ.

سابعًا: دروس من تجارب الانتقال العالمية: بين الإرادة وإعادة البناء:

بينما يحدد الإعلان المبادئ التأسيسية لسودان ما بعد الح-رب، تقدم تجارب دولية عبرت من مراحل مماثلة دروسًا لا يمكن تجاهلها. هناك عدة تجارب لدول انتقلت من مرحلة ح-رب أو دمار شامل إلى بناء دولة ذات مؤسسات، منها:

1. رواندا: بعد الإب-ادة الجماعية في 1994، ركزت على بناء مؤسسات قوية وحكم القانون، محققة استقرارًا سياسيًا ونمواً اقتصاديًا مذهلًا، وإن وسط جدل حول طبيعة النظام السياسي.

2. ألمانيا واليابان: بعد الح-رب العالمية الثانية، نجحتا في إعادة بناء مؤسسية كاملة تحت رقابة دولية، مع تبني دساتير ديمقراطية فصلت السلطة العسكرية عن السياسية، وهو ما يتوافق مع روح البند الثامن في الإعلان السوداني.

3. كوريا الجنوبية: تحولت من ح-رب مدمرة إلى قوة اقتصادية عبر إصلاحات هيكلية وتعليم مكثف، رغم بدايتها بنظام سلطوي.

4. جنوب أفريقيا: بعد نظام الفصل العن-صري، أظهرت أن العدالة الانتقالية والمصالحة (كما وردت في بنود الإعلان) يمكن أن تكونا طريقًا للاستقرار.

هذه التجار تظهر أن الانتقال الناجح يتطلب شروطًا قد يكون الإعلان السوداني قد مهد لبعضها، لكنها تظل تحديًا:

1. إرادة سياسية غير منقسمة: الإعلان يخلق إطارًا لهذه الإرادة، لكن تحويلها إلى سياسات يومية يحتاج قيادة موحدة.

2. مشاركة مجتمعية حقيقية وليست شكلية: التنوع في قائمة الموقعين خطوة أولى، لكن إشراك المواطن العادي في عملية البناء سيكون الامتحان الحقيقي.

3. دعم دولي ذكي لا مُفْرِط: الإعلان يطلب الدعم، لكن تجارب مثل رواندا وألمانيا تظهر أن الاستقلالية في القرار الوطني هي سر النجاح.

4. إصلاحات هيكلية جريئة: الإعلان يتحدث عن إعادة بناء الأجهزة، وهذا يحتاج خططًا تفصيلية كتلك، التي نفذتها كوريا الجنوبية في اقتصادها.

5. بناء ثقة متدرج: الثقة لا تبنى بالبيانات بل بتجارب ملموسة في العدالة وتقاسم الموارد.

وهنا يبرز تحدي الإعلان السوداني: هل سيكون إطارًا مرنًا كالدستور الألماني لما بعد الح-رب، قادرًا على استيعاب دروس هذه التجارب وتكييفها، أم سيظل وثيقة مثالية تفتقر لأدوات التنفيذ، التي حوّلت تلك الدول من تحت الأنقاض إلى قوى مستقرة؟ جواب هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كان الإعلان مجرد لحظة أمل في تاريخ السودان، أم بداية لتاريخ جديد.

لكن تاريخه المحتمل لا يُقاس فقط بما يحققه فورًا، بل بما يرسّخه في الوعي السياسي السوداني.

خاتمة: إعلان المبادئ السوداني، في خلاصته، هو مشروع جراحة كبرى للدولة والمجتمع. هو يقف عند مفترق بين كونيه وثيقة تأسيس (لجمهورية ثانية)، أو تحوله إلى مرجعية أخلاقية معزولة تذكر الأجيال القادمة بما كان يمكن أن يكون. ففرصته التاريخية تكمن في ثلاث نقاط قوة: وضوحه الفلسفي في تعريف العدو والبديل، اتساع تحالفه غير المسبوق، وتوقيته في لحظة استنفاد الح-رب وإرهاق المت-حاربين.

لكن مخاطره تكمن في ثلاث فجوات: الفجوة التنفيذية بين المبادئ والآليات، الفجوة التمثيلية بين النخبة الموقعة والشارع المنقسم، و الفجوة الدولية والإقليمية، وأطماع وتدخلات ومصالح القوى الخارجية والجوار.

المستقبل سيكتبه ليس نص الإعلان وحده، بل قدرة قواه الحاملة على تحويله من حبر على ورق إلى حركة على الأرض، ومن خطاب في المنفى إلى إرادة في الداخل. في هذه المعادلة الصعبة، يبقى الإعلان إنجازًا فكريًا وسياسيًا بحد ذاته: فقد نجح، للمرة الأولى، في صياغة حلم السودان الجديد بلغة واضحة لا تقبل التأويل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.