العدالة المناخية وانعكاسها على المرأة والمجتمع

صحيفة الهدف

سلوى ابسام

تُعَدّ المرأة ركيزةً أساسية في قضايا العدالة المناخية والتنمية المستدامة، إذ إن تعزيز دورها في هذه المجالات لايُمثّل مجرد مسألة عدالة اجتماعية، بل يُشكّل ضرورة حتمية لتحقيق مستقبل مستدام وشامل للجميع.

نهدف، من خلال تناول هذه القضايا بالتزامن مع حملة الـ16 يومًا للقضاء على العنف ضد المرأة، إلى رفع الوعيالمجتمعي وتشكيل حملات مناصرة تسهم في وضع استراتيجيات وخطط فاعلة لتبادل المعرفة. ونسعى معًا للإجابةعن كيفية إدارة قضايا النساء أثناء النزاعات وما بعدها، بما يشمل العدالة المناخية، والعدالة الانتقالية، والسلامالمجتمعي.

ويتطلب ذلك العمل على توفير فرص عادلة، وصياغة سياسات منصفة، وضمان الحماية من العنف، عبر تمكينالنساء قانونيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. كما يستوجب بناء القدرات وتحديد الأدوار والمسؤوليات تجاه الوطنوالعالم، بما يُكوّن حلقة متكاملة مترابطة كالعقد.

أزمة تغيّر المناخ

عند الحديث عن العدالة المناخية، لا بد من البدء بأزمة تغيّر المناخ وما يصاحبها من مخاطر بيئية ونقص في المواردالإيكولوجية. ويتطلب ذلك إيلاء وزنٍ متساوٍ لكلٍّ من التنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية.

ويُعَدّ خفض الانبعاثات بنسبة 45% ضرورة ملحّة في ظل تزايد ندرة المياه والغذاء والطاقة. فقضية تغيّر المناخ لمتعد بيئية فحسب، بل أصبحت قضية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية في آنٍ واحد. ومن خلال التركيز علىالاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الخضراء، يمكن تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، استنادًا إلى مبادئ إعلان ستوكهولمحول البيئة الإنسانية (1972).

مفهوم الاقتصاد الأخضر

يُعَدّ الاقتصاد الأخضر نموذجًا تنمويًا يسعى إلى تحسين رفاه الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع الحفاظ علىالبيئة وتقليل المخاطر البيئية والفقر. ويرتكز هذا النهج على تحقيق نمو اقتصادي مستدام من خلال ممارساتتشمل:

الاستثمار في الطاقة المتجددة،

الزراعة المستدامة،

كفاءة استخدام الموارد،

الحد من التلوث والنفايات.

دعامتان رئيسيتان:

1. غاية النشاط الاقتصادي: أن يكون أخضرًا، داعيًا إلى حماية البيئة وضمان حقوق الأجيال المقبلة.

2. آثار النشاط الاقتصادي: أن يكون أقل تلويثًا، وأقل استهلاكًا للموارد الطبيعية، لا سيما غير المتجددة.

التكنولوجيا الخضراء

تشمل تطبيقات التكنولوجيا الخضراء مجالات متعددة، منها:

الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح)،

المباني المستدامة (العزل، والإضاءة الموفّرة للطاقة)،

إدارة المياه والنفايات (التنقية، وإعادة التدوير)،

وسائل النقل الصديقة للبيئة (السيارات الكهربائية)،

الزراعة المستدامة (الري الذكي والزراعة العضوية).

وتهدف هذه التقنيات إلى تقليل استهلاك الطاقة والموارد، وخفض الانبعاثات الضارة، بما يسهم في حماية البيئةوتحقيق التنمية المستدامة.

الوضع في السودان

يواجه السودان تحديات جسيمة في مجال العدالة المناخية، أبرزها ضعف الضوابط المؤسسية اللازمة لتفعيل تقييمالأثر البيئي. ويظهر ذلك بوضوح في مشروعات كالسدود وخزانات المياه، وصناعات التعدين، وقطاع النفط، ومرافقالنقل، واستخدام المبيدات والمواد السامة.

ويؤدي هذا الضعف المؤسسي إلى تفاقم تدهور البيئة، وتصاعد النزاعات حول الموارد، وزيادة الهشاشة الاقتصادية. كما تعاني المجتمعات الفقيرة والمهمشة من محدودية القدرة على التكيّف مع التغير المناخي بسبب نقص المواردوالبنية التحتية، ما يؤدي إلى فقدان مصادر الرزق، خصوصًا في القطاع الزراعي، ويهدد الاستقرارين الاقتصاديوالاجتماعي.

وقد أصبحت الهجرة المناخية واقعًا ملموسًا، حيث يُجبر السكان على مغادرة مناطقهم بسبب الكوارث البيئية، ممايفرض تحديات جديدة على المجتمعات المستقبِلة.

العدالة المناخية

تُعدّ العدالة المناخية ضرورة قانونية وأخلاقية نابعة من التداعيات غير المتكافئة لتغيّر المناخ على المجتمعات. وتهدف إلى تحقيق الإنصاف في توزيع الأعباء والفوائد الناجمة عن التغيرات المناخية، مع التركيز على حماية حقوقالفئات الأكثر تضررًا، وعلى رأسها النساء والمجتمعات المهمشة.

ويرتكز هذا المفهوم على مبادئ أساسية، منها:

المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة،

حق الدول في التنمية،

حق الأفراد في بيئة صحية وسليمة.

وتتجلى هذه المبادئ في الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ واتفاقية باريس،التي تسعى إلى تحقيق الإنصاف في التخفيف والتكيّف، رغم وجود فجوات قانونية في التنفيذ تستدعي تطوير آلياتأكثر عدالة، خاصة في توزيع الأعباء بين الدول الصناعية والدول النامية.

العدالة المناخية النسوية

تدعو الأمم المتحدة إلى الاعتراف بحقوق النساء والفتيات في المشاركة الفاعلة في صنع القرار المناخي، وتمكينهنمن الوصول إلى الموارد والتكنولوجيا. وتستند العدالة المناخية النسوية، وفق برامج الأمم المتحدة، إلى أربعةمحاور رئيسية:

1. الاعتراف: بدور النساء، المدفوع وغير المدفوع، في الاقتصاد والبيئة.

2. إعادة التوزيع: توزيع عادل للموارد والتمويل المناخي.

3. التمثيل: ضمان مشاركة النساء في صنع القرار المناخي.

4. جبر الضرر: معالجة الأضرار التاريخية الناتجة عن التمييز البيئي.

المرأة والعدالة المناخية: التأثر والقدرة على التغيير

تتأثر النساء بشكل غير متكافئ بتغير المناخ، نتيجة للأدوار التقليدية، وضعف الوصول إلى الموارد الإنتاجية، وغيابالتمثيل في صنع القرار البيئي. وتشمل أبرز التأثيرات:

1. زيادة الأعباء اليومية، مثل جمع المياه والحطب.

2. ارتفاع معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الزواج المبكر والقسري.

3. تدهور صحة الحوامل والمرضعات بسبب سوء التغذية والمياه الملوثة.

4. ضعف تمثيل النساء في مفاوضات المناخ.

5. غياب حقوق ملكية الأرض، مما يحدّ من قدرة النساء على التكيّف.

ورغم هذه التحديات، أثبتت النساء قدرتهن على قيادة التغيير من خلال:

الزراعة المستدامة،

إعادة التشجير،

قيادة المبادرات الشعبية،

التعليم البيئي،

إدارة الموارد المنزلية والريفية.

وتُبرز التجارب الدولية، مثل الدعوى التي رفعتها نساء سويسرا ضد حكومتهن بسبب التقاعس المناخي، الدورالمتنامي للنساء كقوة قانونية واجتماعية مؤثرة في صياغة السياسات المناخية.

العدالة المناخية ودور المجتمع المدني

يتطلب تطبيق العدالة المناخية تنسيقًا وثيقًا بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، عبر إصلاحاتسياسية ومؤسسية تشمل:

دمج العدالة المناخية في الخطط الوطنية،

سن تشريعات تحمي الفئات الهشة،

إلزامية تقييم الأثر البيئي،

تعزيز الشفافية والمساءلة.

وفي السودان، ورغم الحرب، واصلت لجان المقاومة والمجموعات النسوية والشبابية قيادة مبادرات إغاثية وتنموية،في تجسيد حيّ لقدرة المجتمع المدني على الصمود والابتكار.

خاتمة

ختامًا، فإن العدالة المناخية ليست قضية بيئية فحسب، بل هي قضية حقوق إنسان وأخلاقية بامتياز، تتطلب تضافرالجهود المحلية والإقليمية والدولية من أجل بناء مستقبل عادل ومستدام، تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحفظ فيهحقوق النساء والمجتمعات الأكثر هشاشة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.