في لحظات السلم تزدهر القريحة، ويكتب المبدع نصَّه كما لو أنه يفتح نافذة على الضوء. فالإبداع لا يكتمل إلا حين يكون المبدع في وطنه، يلمس نبض الناس، يختبر تفاصيل الحياة، ويقتنص من الشارع، ومن المقهى، ومن الأغنية، ومن ضحكات الأطفال مادة فنه.
لكن عندما تندلع الح.رب، ويعلو دخان الخراب، يصبح الوطن بيئة طاردة لا تُنبت الشعر، ولا تنفخ الروح في الريشة، ولا تشعل اللحن في أوتار العازفين.
وهنا فقط يستعيد العالم تلك المقولة الشهيرة: “عندما أسمع كلمة ثقافة.. أتحسّس مسدسي”..
فالح.رب تعرف جيدًا أن أول ما تطلق عليه رصاصها هو الوعي، وأن أول من تفتك بهم هم حملة الجمال والمعنى.
لقد دفعت الح.رب السودانية المبدعين إلى المنافي دفعًا: موسيقيون حملوا آلاتهم كأثقال من ذاكرة، وتشكيليون تركوا ألوانهم تتيمّم غبار الخراب، وشعراء وقصاصون وروائيون غادروا قبل أن تنطفئ فيهم جذوة اللغة، ومسرحيون ورياضيون كانوا يشكّلون نبض الجماهير.
هاجروا بحثًا عن نجاةٍ بلا وطن، وبقي سؤال معلّق: كيف يبدع الفنان بعيدًا عن ترابه؟
وكيف ينمو الجيل الجديد بلا معايشة، بلا احتكاك يومي، بلا تلك الشرارة الثمينة التي تنتقل من جيل لآخر بالتأثر والتعلّم المباشر؟
إن استمرار الح.رب يعني، ببساطة، استمرار هذا النزيف يعني مزيدًا من هجرة العازفين الذين تعلّموا من “الصفقة” و”الجراري” و”الكمبلا” و”المردوم” قبل أن يتعلّموا النوتة.. ومزيدًا من الروائيين الذين فقدوا أصوات الحواري والأسواق، ومزيدًا من التشكيليين الذين غادرت لوحاتهم روح المكان. فالإبداع حين يفقد أرضه، يفقد ظلاله، ويتحوّل إلى مجرّد حنين بارد، بلا حيوية التجربة ولا سخونتها.
لقد عبّر كثير من المبدعين عن مواقف واضحة ضد الح.رب، ووقفوا في الصف الأخلاقي الذي يليق بدورهم التاريخي. فالمثقفون ليسوا زينة المجتمع، بل هم ضميره، وصوته حين يتهدّد المصير.
وما أحوج السودان اليوم إلى أن يرفع هؤلاء أصواتهم أعلى؛ لا بيانات عابرة، ولا مواقف موسمية، بل مبادرات عملية، وضغط جماعي، وحملات متواصلة لرفض الح.رب والدعوة لعودة الحياة.
في الختام، فإن مسؤولية المبدعين اليوم ليست في الكتابة عن الح.رب، بل في العمل لإنهائها. مسؤوليتهم أن يستردّوا الوطن الذي علّمهم الإبداع، وأن يفتحوا الطريق لعودة المعايشة، لعودة الحكايات، لعودة النبض الذي يصنع الأجيال.
فالح.رب قد تتحسّس مسدسها حين تسمع كلمة ثقافة، لكن المثقف الحقيقي يتحسّس ضميره.. ويمدّ يده ليرفع وطنًا كاملًا من حافة الهاوية.
#ملف_الهدف_الثقافي #نزيف_المبدعين #ح.رب_السودان #المثقف_وضمير_الوطن

Leave a Reply