أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
مقدمة: في تاريخ الأمم لحظات تتجاوز حدود الاقتصاد والزراعة والسياسة، لتصبح اختبارًا مباشرًا لمعنى الوجود ذاته. ومشروع الجزيرة في السودان ليس مجرد مشروع زراعي عملاق، ولا مجرد خطة تنموية عمرها قرن؛ إنه المرآة، التي تتجلّى فيها علاقة الإنسان بالأرض، والوطن بقدرته على حماية موارده، والدولة بمستوى وعيها السيادي.
إنه المشروع، الذي تحوّل عبر الزمن إلى معيارٍ لقياس الوطنية، وعتبةٍ لتمييز الإرادة الحيّة من الخضوع، والوعي الوطني من التبعية. ومتى ما هُدِّد مشروع الجزيرة أو حاولت قوى التفكيك إعادة هندسته بما يخدم مصالحها، كانت الجماهير السودانية تُعاد إلى سؤالها الأبدي: هل نحن قادرون على حماية أرضنا، أم سنُترك خارج التاريخ؟
الأرض — في التجربة السودانية — ليست مورداً اقتصاديًا فحسب، بل هي مخزن الذاكرة الجمعية وآخر خطوط الدفاع عن الكرامة الوطنية، فالأرض كفلسفة للسيادة لا كمساحة للزراعة. فمشروع الجزيرة لم يُنشأ فقط لزراعة القطن، بل لتأسيس علاقة جديدة بين الانسان السوداني وأرضه، علاقة تجاوزت حدود الإنتاج إلى بناء وعي وطني حديث. لقد أصبح المشروع عبر عقود:
• مدرسة للانتظام الاجتماعي
• نواة لتشكل الوعي النقابي
• مختبرًا للعدالة الإنتاجية
• قاعدة لاقتصاد وطني مستقل عن مراكز الهيمنة
ولهذا لم يكن غريبًا أن يصبح المشروع هدفًا لكل محاولات التفكيك — من الداخل والخارج — لأن ضرب الأرض هو ضرب للوطن، وضرب المعرفة هو ضرب للسيادة، وضرب النقابة هو ضرب للإنسان.
المشروع الوطني لا يولد من النصوص السياسية، بل من الإنسان المنتج. والفلاح في الجزيرة لم يكن مجرد يدًا عاملة، بل كان فاعلًا تاريخيًا أسس نموذجًا متقدمًا للطبقة الوسطى الريفية، تلك الطبقة التي توازن بين:
• الاقتصاد والعدالة
• الإنتاج والوعي
• الأرض والكرامة
ومع ذلك، فإن هذه الطبقة تعرضت خلال العقود الأخيرة لمحاولات إفقار وإقصاء ممنهجة، هدفت إلى تعطيل قدراتها وجعلها عاجزة عن الدفاع عن المشروع. لكن التاريخ أثبت أن الإنسان، الذي ارتبط بالأرض بعرقه وبذاكرته لا يُهزم بسهولة.
في مشروع الجزيرة، لم تكن النقابة مجرد تنظيم إداري للمزارعين؛ بل كانت أداة مقاومة ومحورًا للوعي وإطارًا لصياغة الإرادة الجماعية. لقد شكّلت نقابة المزارعين إحدى أقوى التجارب النقابية في الوطن العربي، لأنها:
• ظهرت من رحم الإنتاج لا من قاعات السلطة
• عبّرت عن مطالب شعبية حقيقية
• دافعت عن الأرض كقيمة وطنية
• شكلت جسرًا بين الريف والدولة الحديثة
ولذلك كان تفكيك النقابة هدفًا ثابتًا للأنظمة، التي أرادت السيطرة، وللقوى، التي رأت في استقلالية المزارعين تهديدًا لمصالحها.
وتتأكد أهمية هذا الدور اليوم في المواقف الوطنية التي عبّرت عنها القوى ذات الصلة المباشرة بالمشروع. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الموقف الواضح، الذي عبّر عنه حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) – قيادة قطر السودان – مكتب الحركة الجماهيرية في بيانه بتاريخ 2025/12/5م، الذي شكّل أحد أكثر المواقف اتساقًا مع رؤية وطنية وقومية تستند إلى الحقوق التاريخية للمزارعين، وإلى وظيفة مشروع الجزيرة كعمود اقتصادي-اجتماعي للدولة السودانية. فقد اعتبر البيان أنّ الانتخابات المزمع إجراؤها تحت قانون 2005 وتعديلاته ليست سوى عملية تزييف لإرادة المزارعين، ومحاولة لإعادة إنتاج السيطرة على النقابات وتفريغها من دورها النضالي. وأشار البيان بوضوح إلى أنّ ما يجري ليس إجراءً تنظيميًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مخطط تصفية المشروع وتهيئة الأرض لخصخصته خدمة للرأسمالية الطفيلية والارتباط الخارجي. فإن البيان يعكس – بعمق – طبيعة الصراع بين مشروعين:
مشروع يهدف إلى حماية الأرض والموارد والناس،
ومشروع يرى في الح-رب فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد على مقاس شبكات المصالح
عندما تتعرض دولة ما للح-روب والانقسامات، يصبح الاقتصاد الزراعي المستقل هو مصدر التوازن الوحيد ضد السقوط الكامل. وفي السودان، أدّت الكوارث السياسية خلال العقدين الماضيين إلى انكشاف خطير في بنية الدولة، لكن مشروع الجزيرة ظل:
• أهم مصدر للغذاء الوطني
• أهم معمل للاستقرار الاجتماعي
• آخر مساحة لم تُسلّم بالكامل لاقتصاد السوق المفترس
• آخر خط تماس بين الدولة وسيادتها الفعلية
ولذلك فإن المعركة حول الجزيرة اليوم ليست معركة تنمية، بل معركة وجود.فالأمم تُختبر مرتين: عندما تنهار، وعندما تقرر أن تقف مجددًا. والمجتمع السوداني اليوم يقف أمام اختبار مشابه لاختبارات كبرى في التاريخ العربي المعاصر — من العراق إلى فلسطين إلى اليمن إلى ليبيا— اختبار يواجه فيه:
• محاولات إعادة هندسة وعيه
• مشاريع نزع السيادة
• تفكيك المؤسسات المنتجة
• فصل الإنسان عن الأرض
• وتدمير النقابات التي حفظت الذاكرة الحقوقية
لكن كما أثبتت غزة في لحظة التوازن الجديدة (2023)، وكما أثبت العراق في تجربة المقاومة بعد 2003:
إرادة الشعوب تتجدد في أشد اللحظات ظلمة. ومشروع الجزيرة اليوم هو الساحة، التي تُقاس عليها درجة مناعة الوعي الوطني والقومي السوداني.
فالوجود الوطني ليس شعارًا سياسيًا، بل عقدٌ أخلاقي بين الإنسان وأرضه. وإذا كان السودان يريد الخروج من لحظته التاريخية الراهنة، فإن البوابة ليست في الخطاب السياسي، بل في:
1. الوقف الفوري- غير المشروط – للح-رب.
2. بناء الدولة المدنية الحديثة ، المستقلة ، والديمقراطية ، يراعى فيها التعددية والاختلافات المجتمعية.
3. إعادة بناء النقابات كأطر تمثل الإنسان المنتج
4. إعادة تعريف الأرض كركيزة للسيادة لا كمورد للاستثمار العابر
5. تحرير مشروع الجزيرة من هندسات السوق النيوليبرالي
6. إعادة الاعتبار للمزارع كمحور الوعي لا كأداة إنتاج
7. وضع سياسة وطنية زراعية تجعل المشروع ضمانًا للأمن القومي
8. إعادة بناء الدولة من القاعدة: من الأرض إلى الاقتصاد إلى السياسة
بهذا فقط يتحول مشروع الجزيرة من ملف زراعي إلى فلسفة وطنية.
خاتمة: مشروع الجزيرة ليس مجرد قضية زراعية؛ إنه امتحانٌ تاريخي يكشف ما إذا كانت الجماهير السودانية قادرة على حماية ذاتها، أو أنها ستترك مستقبلها رهينة للفوضى والتفكيك. إن الدفاع عن المشروع ليس دفاعًا عن الماء والترع والقنوات والقطن، بل هو دفاع عن: فلسفة الأرض، العقل المنتج، النقابة الحرة، والوعي الوطني، الذي يربط الإنسان بتاريخه ومستقبله. بهذا الفهم، يصبح مشروع الجزيرة معنى الوجود الوطني نفسه —
لا يمكن التنازل عنه، ولا يمكن تركه للسقوط، لأن سقوطه هو سقوط آخر حصون السيادة السودانية.

Leave a Reply