زكريا نمر
زكريا نمر *
#الهدف_آراء حرة
تمر المجتمعات التي تعيش لحظة ثورية عادة بمرحلة دقيقة تتداخل فيها المشاعر المتناقضة الغضب والأمل، الخوف والطموح، التمرد والرغبة في بناء واقع جديد. لكن هذه الطاقة الهائلة التي يحملها الشارع لا تتحول تلقائيا إلى تغيير مستدام، فهي بحاجة إلى خطاب ثوري واع يضبط نبض الجماهير ويوجهها نحو أهداف واضحة. وعندما يغيب هذا الخطاب، يتبدل وجه الثورة وتفقد معناها، ليتحول المجتمع إلى كتلة غوغائية تحكمها الانفعالات اللحظية أكثر مما يحكمها الوعي والبصيرة.
فالثورة في أصلها ليست مجرد احتجاج صاخب أو مظاهر غضب متفجر انها مشروع تاريخي يتطلب رؤية شاملة، وقيادة فكرية منضبطة، وقدرة على تحويل الفعل الشعبي إلى مسار تغييري متماسك. وحين تنطفئ هذه البوصلة الفكرية، تتناسل الفوضى، وتنشأ تصرفات عشوائية لا تتصل بروح الثورة الحقيقية، بل تقوّضها وتفقدها شرعيتها. يتحول الشارع حينها من قوة قادرة على صناعة الغد إلى قوة هوجاء تهدم ما تبنيه دون وعي، وتنجر نحو العنف العبثي والصراعات الداخلية.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات الثائرة ليس خصومها السياسيين، بل الوقوع في أسر التشتت والضبابية. فحين يغيب الخطاب الثوري المسؤول، يتراجع دور العقل لصالح الانفعال، وتصبح الثورة مجرد ردود أفعال مبعثرة لا تملك قدرة على الاستمرار أو تحقيق أهدافها. تفقد الحركة الثورية قدرتها على إنتاج مشروع سياسي حقيقي، ويتحول الحماس الشعبي إلى فوضى تتغذى على ذاتها حتى تجهض الحلم الذي خرج الناس من أجله.
ومن تظهر الحاجة الملحة لخطاب جديد يعيد ترتيب العلاقة بين المجتمع ووعيه، خطاب يضع أسئلة الثورة قبل شعاراتها، ويعيد تعريف معنى التغيير بعيدًا عن التسرع والغضـ.ـب. فالتغيير ليس ضربة حظ، وليس انفجارًا عابرًا؛ إنه عملية تراكمية تحتاج إلى حكمة وتخطيط وصبر ورؤية بعيدة المدى. بدون ذلك، كل ثورة محكوم عليها ان تتحول إلى فوضى، وكل مجتمع ثوري معرض لأن يصبح مجتمعًا غوغائيًا لا يرى أبعد من لحظة الصخب.
إنْ المجتمع الذي يريد بناء مستقبل مختلف يجب أن يحرس وعيه قبل أن يحرس شوارعه، وإنْ يدرك أنّ الثورة ليست نهاية الطريق بل بدايته. فوعي الجماهير هو رأس مال الثورة، والخطاب العاقل هو الضمان الوحيد لئلا تنقلب الحركة الثورية إلى فوضى مدمرة. وكل ثورة بلا وعي مثل سفينة بلا ربان؛ قد تتحرك سريعًا، لكنها ستغرق قبل أن تصل إلى بر التغيير.
*كاتب من جنوب السودان

Leave a Reply