مجدي علي
من دمشق، التي احتفت قبل أيام بأصوات عربية توثّق زمن الحرب والسجون، جاء الخبر الفارق: فوز الروائي السوداني منتصر منصور بالمركز الأول في جائزة (سهيل الذيب للرواية العامة) ضمن مسابقة أدب الحرب والسجون في سوريا، عن روايته (شمع لا يقط).. فوزٌ لا يمثل إنجازاً فردياً بقدر ما يفتح نافذة واسعة على سؤال ظل مؤجلاً في المشهد السوداني: أين هو أدب الحرب السوداني من التوثيق؟
لقد خاض السودان أسوأ الحروب في المنطقة وأكثرها تعقيداً وتشظياً؛ حروب صنعت أجيالاً من الفقد، وغيّرت الخرائط، ودفعت الملايين إلى النزوح والتشرّد، وخلّفت جروحاً نفسية وسياسية واجتماعية لا تزال تنزف حتى اللحظة. ومع ذلك، ما زالت تجربة الحرب السودانية، على امتداد وسنواتها وتحوّلاتها، أقل حضوراً في صفحات الكتابة ورفوف المكتبات مما كانت عليه في ذاكرة الناس.
لقد أثبتت التجارب العربية مؤخراً، من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان، أن الأدب، لا نشرات الأخبار، هو الذي يكتب الهامش الإنساني للحرب.. تفاصيل الحياة تحت الأنقاض، انتظار الأمهات، ارتجاف الطفل عند صافرة القذيفة، التحولات الخفية في النفس والمجتمع، الخراب البطيء الذي لا تراه الكاميرات.
يقول الروائي سنان أنطون: “الرواية تمنحنا ما لا تمنحه نشرات الأخبار”، وهذه حقيقة واضحة؛ إذ تذهب الرواية إلى ما وراء الحدث، إلى أثره وندوبه، وإلى ما يتبقى بعد أن يصمت الرصاص.
والرواية، بما تمتلكه من مرونة سردية، وقدرة على جمع الوثيقة بالشهادة والتخييل، هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على حفظ ذاكرة الحروب وصياغتها في سرديات قادرة على البقاء. إنها ليست فقط فناً، بل عملاً من أعمال التوثيق والمقاومة والإنقاذ.
انطلاقاً من ذلك، فإن فوز كاتب سوداني في جائزة عربية متخصصة بأدب الحرب، يمثل دعوة صريحة لأن نلتقط القفاز، وأن نذهب نحو إطلاق مسابقة سودانية رسمية في أدب الحرب، تُعنى بتوثيق ما حدث ويحدث: في الخرطوم، في دارفور، في كردفان، في النيل الأزرق، وفي المدن التي تحولت إلى خطوط تماس.
مسابقة تشجع الجيل الجديد على الكتابة، وتحوّل الذاكرة السودانية من مادة شفوية متفرقة إلى أرشيف أدبي يعبر عن الألم والنجاة والتغيير.
الواجب أن نحتفي بفوز منتصر منصور، وأن يكون فوزه بمثابة جرس تنبيه، ودعوة للمؤسسات الثقافية المدنية وللجامعات ودور النشر والمهتمين إلى تبني هذه المبادرة، وإطلاق جائزة سودانية لأدب الحرب، تكون منصة لكتابة تاريخنا القريب، برؤية فنية ومسؤولية إنسانية، حتى لا تضيع الحكايات بين الركام، ولا يُترك التوثيق لغير أهله.
إن إطلاق مسابقة سودانية لأدب الحرب ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة لكتابة ما تبقّى من ذاكرة وطن ينزف، ولمنح الكلمة شرف أن تكون شاهدة، تحفظ للأجيال ما حاولت البنادق محوه.
#أدب_الحرب #السودان #منتصر_منصور #الرواية_السودانية #توثيق_الحرب #الذاكرة_السودانية #أدب_المقاومة #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply