كيف تُحاصَر النساء في عالم يزداد وقاحةً كل يوم؟: جغرافيا التحرش بالمرأة.. من الحيطة إلى التايم لاين

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

لا تحتاج المرأة في السودان أو مصر أو أي بلد عربي أو إفريقي إلى خريطة لتعرف مواقع الخطر؛ فالمتاهة واحدة، والحدود وهمية، والعنف ضد النساء، بكل طبقاته وأقنعته، عابرٌ للقارات. من زوايا البيوت الضيقة إلى ساحات الحرب المفتوحة، ومن المكاتب المضيئة إلى الشاشات الباردة، تتكرر القصة ذاتها: جسدٌ مستباح، وصوتٌ مُكمَّم، ووصمةٌ تتربّص بالضحية بدلًا من الجاني.

في السودان، حيث أعادت الحرب تشكيل حياة الناس على هيئة فجيعةٍ مستمرة، تحوّل العنف الجنسي إلى سلاح حرب وإلى دولة موازية للقمع. آلاف النساء اخترن الصمت خوفًا من مجتمع يضع “العار” على كتف المجروحة لا على يد المعتدي. وفي مصر، يكشف المسح الصحي لعام 2021 عن واقع لا يقل قسوة: 31% من النساء المتزوجات أو السابقات تعرّضن للعنف الأسري خلال عام واحد، مع توقعات أممية بأن النسب الحقيقية أعلى بكثير خلف جدار الصمت.

وفي فضاء العمل، ذلك الذي كان يُفترض أن يكون بوابة للاستقلال، تحوّل المشهد إلى مسرح آخر للمهانة. تتحدث الأرقام بوضوح يُقشعرّ له البدن: 52% من النساء العاملات في بريطانيا تعرّضن لتحرش جنسي، و76% من العاملات في مصر واجهن تحرشًا أو تمييزًا في بيئة العمل، بينما يشعر 60% بانعدام الأمان.. وكأن لقمة العيش مشروطة بدرجةٍ من الصمت والقهر.

ومع اتساع الفضاء الرقمي، نشأت جبهة جديدة من العنف: صور مزيفة تُنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي، تشهير، تسريب معلومات، وابتزاز.. جدار آخر يُبنى حول صوت المرأة. صار العنف الرقمي امتدادًا للبنية القديمة للعنف، سلاحًا رخيصًا لكنه بالغ التأثير، قادرًا على إخراج النساء من المجال العام بضغط زر واحد.

المشكلة لا تكمن في تعدد أشكال العنف فحسب، بل في بنية قانونية واجتماعية تحمي الجناة. فالقوانين العربية، باستثناء محاولات خجولة، ما زالت تتعامل مع العنف الأسري كـ”خلاف منزلي”، ومع التحرش في العمل كـ”سوء تفاهم”، ومع العنف الرقمي كـ”تفاهة لا تستحق التقاضي”. وفي السودان، حتى قبل الحرب، كان العنف ضد النساء يُفكَّك داخل المحاكم إلى جنح صغيرة بلا رؤية شاملة، بينما تُمنح مواد الرأفة والأعذار “الذكورية” عمرًا جديدًا كل يوم.

إن ما تحتاجه المنطقة ليس حملات موسمية ولا “هاشتاقات” سريعة الاشتعال، بل إعادة تعريف جذرية للعلاقة بين الدولة والمرأة، بين القانون والعدالة، بين المجتمع والكرامة. إن قانونًا موحدًا لمناهضة العنف، لا يستثني أحدًا ولا يساوم على حماية النساء، لم يعد مطلبًا نخبويًا، بل شرطًا لبقاء مجتمع سليم.

وفي خاتمة القول: لا تُبنى الأمم على صمت النساء، ولا ترتقي الدول وهي تُبقي نصفها في الظل. فالأوطان التي لا تعترف بأوجاع نسائها تفقد بوصلة المستقبل قبل أن تفقد استقرار الحاضر. وإذا كان العنف متعدد الوجوه، فإن مقاومته لا بد أن تكون متعددة الشجاعة.

 #العنف_ضد_المرأة #التحرش_الرقمي #حقوق_المرأة #العنف_الأسري #السودان #مصر #العدالة_القانونية #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.