م عبدالمنعم مختار
الهدف_ آراء حرة
في الجاهلية، كان الناس يطوفون حول اللات والعُزّى وهُبَل ومناة، يطلبون البركة والحماية والنصر. كان ذلك قبل ألفٍ وخمسمائة عام، قبل أن تنزل كتب السماء، وقبل أن يقول العقل: “كفى!”. لكن يبدو أننا في السودان، وبرعاية كاملة من صُنّاع الح-رب، قررنا العودة إلى عبادة “التماثيل”—هذه المرة بزيّ عسكري كامل الدسم، وبفاتورة لا تقلّ عن 300 ألف دولار للقطعة الواحدة… في بلد لا يجد فيه الطفل جرعة دواء، ولا يجد المريض غرفة إسعاف، ولا تجد الدولة نفسها ثمن ورقة الطباعة في مستشفى حكومي.
نحن هنا لا نتحدث عن تماثيل تُشيَّد لرموز التحرير، أو لعلماء قادوا نهضة، أو لزعيم صنع دستوراً وعدلاً وحياة أفضل لشعبه. بل نتحدث عن تماثيل تُنحت لشخصيات قادت البلاد إلى ح-رب، وجوع، ودمار بنية تحتية، وتشريد ملايين، ونزوح جماعي، وتهجير قسري… ثم يريدون تمجيد أنفسهم في ساحة عامة، بينما جثث الشهداء لم تجف دماؤها منذ يوم فض اعتصام القيادة العامة—الج-ريمة التي ستظل وصمة عار لا يمحوها رخام ولا ذهب ولا “فنّ تشكيلي برعاية وزارة المالية”.
ومع ذلك، لم يستحِ صانعو هذا الخراب من أن يتسابقوا لتشييد تماثيل لأنفسهم، وكأنهم يتنافسون:
“مَن أولى بأن يُعبد؟ مَن يستحق أن يُنصب فوق الخراب؟ ومن سيقف فوق هذا الجبل من الجماجم ليقول: هذا نصبي التذكاري!”
بلاد العالم تُشيّد تماثيل لقادتها بعد رحيلهم—تكريماً لمَن صنع نهضة، أو خاض ح-رباً من أجل السلام، أو بنى وطناً لا مقابر. هم وحدهم—وبلا منازع—من يشيّد التماثيل للق-تلة وهم أحياء، ولصنّاع الح-روب وهم يرتدون بزّاتهم، ولمن لم يحققوا سوى انتصار واحد إن جاز لنا القول: انتصارهم على شعبهم.
والأغرب… أن التماثيل جاءت في وقت تنهار فيه الخدمات، وتغيب الدولة، ويتحوّل المواطن إلى لاجئ في أرضه. لكنها ليست مجرد “فن منحوت”، بل هي محاولة وقحة لتقديس أشخاص يريدون كتابة تاريخ مُصنّع، لأن التاريخ الحقيقي يرفضهم، والضمير الشعبي يلفظهم، ودماء الشهداء تطارد خطاهم.
اليوم، بدل أن تصحو الدولة من غيبوبتها وتبحث عن حل للمجاعة والح-رب والانهيار، قررت أن تستورد لنا “جاهلية جديدة”—جاهلية من الأسمنت والرخام، جاهزية للتمجيد لا للإنقاذ، جاهزية لاستفزاز شعب لا يملك سوى الحسرة.
ففي الجاهلية الأولى، كان الناس يسقطون الأصنام حين يكتشفون أنها لا تنفع ولا تضر. اما في الجاهلية الحديثة، يبدو أن الأصنام نفسها هي التي تسقط… لكن بعد أن تسقط الدولة كلها معها. والفرق الوحيد أن أصنام الماضين كانت تُعبد من دافع جهل… أما أصنام اليوم، فتُبنى من دافع وقاحة.
ولكم أن تتخيلوا…
لو استمر الحال هكذا، سنحتاج قريباً إلى وزارة جديدة:
“وزارة الآثار المعاصرة… قسم تماثيل القادة الذين دمّروا البلاد”.

Leave a Reply