الأمير الحالم في مرآة الغياب

صحيفة الهدف

 د.مصطفى العميري

يا ياسر.. في الليل الذي يمتحنُ صمتَه، انسحب ظلّي من نفسه، وبقي شيءٌ منك أمامي، خطوةٌ لا تتذكّرها القدم، وصوتٌ يسير بلا جهةٍ كأنه يعرف الطريق وحده. الغياب لم يذكر اسمه. قال همسًا: “اتركوا المقام مفتوحًا.. فالذي مرّ ما زال يتردّد بين الممرّات”. ومنذ ذلك الوقت، كلُّ بابٍ أفتحه يُطلِق هواءً يحمل نبرةً تشبهك، ويعيد ترتيب الدخان كأنه يدرّبني على شكلٍ آخر للوجود. كنتَ نبوءةً تتكسّر في صدر الأفق ولا تنام. كنت هدىً متردّدًا يطارد الضوء، فيخجل الضوء من حدّته ويضيع. والضوء الآن يمشي بقدمٍ من شكّ، ويدٍ من قلق، كأنه يفتّش عن وجهك في مرآةٍ لا تتذكّر أحدًا. تعود الأشياء ببطءٍ يربك الوقت: اللغة تمشي على ساقٍ واحدة، والصمت يثقل الهواء بلا سبب، والقلب نافذةٌ مفتوحة على جهةٍ لا تُسمّي نفسها، جهةٍ تنتظر أن يُطلّ منها أحدٌ لم يعد يطلّ. لا أعرف أين أنت، لكنّي أعرف الأثر: خطٌّ خفيف انحنى له الوقت ولم يفهمه. ظلٌّ يبتعد ولا يبتعد، يترك في الهواء اهتزازًا يشبه تذكّرًا لم يحدث. تقول الذاكرة: هنا.. وتشير إلى عتمةٍ تعرفك أكثر مما نعرف. ويقول القلب: هناك.. ويشير إلى ضوءٍ لا يملك القدرة على اليقين. وكلاهما يخطئ، فأنت اخترت مكانًا لا تبلغه الجهات إلا بالصمت. يا صديقي.. ما تبقى منك لا يُمسك باليد، بل يمسكنا نحن: ارتباكٌ في الريح، خطوةٌ خفيفة تحاول أن تُنصت لنفسها، وسؤالٌ يتردّد في قلب الصمت كأنه يكتب اسمك على صفحةٍ لا تظهر إلا في العتمة. سلامٌ عليك.. سلامٌ يحمل شكلًا لا يقبل التفسير—يأتي من جهةٍ نجهلها، ويعود إلى مكانٍ لا تصل إليه الطرق، ويبقى معلّقًا بين احتمالات الغياب وحِيَل الحضور. سلامٌ يشبهك: بعيدٌ بما يكفي لنصدّقه، وقريبٌ بما يكفي ليوجعنا.

#ملف_الهدف_الثقافي #ياسر_عوض #د_مصطفى_العميري #الأمير_الحالم #رثاء #فلسفة_الغياب #شعرية_النثر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.