السودان والبحر الأحمر (2) الجسر البري السعودي: إعادة رسم خريطة التجارة الإقليمية وتوازنات القوى

صحيفة الهدف

مشروع الجسر البري السعودي، المعروف باسم Saudi Landbridge، يغيّر قواعد اللعبة في قطاع النقل بالمنطقة. فهو خط سكة حديد حديث يمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، يربط ميناء جدة على البحر الأحمر بميناء الدمام أو الجبيل على الخليج العربي. هذا المشروع ليس مجرد بنية تحتية ضخمة وحسب، بل خطوة كبيرة ضمن رؤية السعودية 2030 لتحويل المملكة إلى قلب لوجستي عالمي يربط القارات ببعضها.
الجسر البري سيبدّل مسارات التجارة الإقليمية والعالمية بشكل فعلي. نلقي هنا نظرة أوضح على تأثيره:
أولًا، قناة السويس. صحيح أن الجسر البري لن يحلّ محلّ القناة تمامًا، لكنّ المنافسة حاضرة. السعودية تقدّم خيارًا أسرع وأكثر مرونة لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، خاصة الشحنات التي لا تحتمل التأخير. يُتوقّع اختصار زمن النقل من 7 إلى 10 أيام مقارنةً بالرحلة البحرية التقليدية حول شبه الجزيرة العربية أو الانتظار في القناة. هذا الضغط سيدفع إدارة قناة السويس إلى تحسين الأداء. ورغم ذلك، تظل القناة طريقًا بحريًا لا يمكن الاستغناء عنه لسفن الحاويات العملاقة وناقلات النفط.
ثانيًا، توازن القوى بين مصر والسعودية في البحر الأحمر يتغيّر. المشروع يعزّز مكانة السعودية في التجارة الدولية، ويمنحها نفوذًا استراتيجيًا جديدًا كجسر قاري. في المقابل، تظل قناة السويس الورقة الأقوى لمصر في التجارة العالمية. المنافسة بين المسارين، السعودي البري والمصري البحري، قد تفتح الباب لتعاون أو تنسيق بين البلدين. لكن في النهاية، السعودية تزداد وزنًا في المشهد اللوجستي. وحتى مع وجود مشاريع مستقبلية مثل جسر الملك سلمان الذي قد يربط مصر بالسعودية مباشرة، سيظل التنافس قائمًا.
ثالثًا، ماذا عن جدوى المشاريع الروسية في السودان؟
ببساطة، كلما زادت كفاءة وسرعة الممر السعودي، قلت جاذبية الاستثمار في موانئ ومراكز لوجستية بديلة في المنطقة، مثل أي مشروع روسي محتمل في السودان. السعودية تستحوذ على الحصة الأكبر من كعكة التجارة العابرة للمنطقة.
أخيرًا، إثيوبيا. البلد الحبيس الذي يبحث عن منافذ إلى البحر الأحمر. الجسر البري السعودي يركّز أساسًا على ربط الخليج بالبحر الأحمر، لكن نجاحه في تطوير موانئ ضخمة كميناء جدة وميناء الملك عبد الله قد يُغري إثيوبيا بتوسيع شراكاتها مع هذه الموانئ، والاستفادة من تسهيلات جديدة للوصول إلى الأسواق العالمية، خاصة إذا تعزّزت شبكات النقل الإقليمية. صحيح أن المسافة البرية ما تزال تحديًا، لكن الخيارات أمام إثيوبيا ستتنوّع، ولن تبقى رهينة منفذ واحد.
في النهاية، الجسر البري السعودي ليس مجرد خط سكة حديد عابر للصحراء؛ بل هو مشروع استراتيجي يعيد رسم خطوط التجارة، ويعزّز مكانة المملكة، ويغيّر موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية في البحر الأحمر والخليج.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.