محاولة أكاديمية محايدة لإعادة استقراء وتثبيت حقائق تاريخ بداية التعليم في السودان المُترجم للشعور الوطني والقومي، وتمييز فكرة التعليم عن السياسات التعليمية. وذلك لتثبيت فكرة التعليم، التي تتطلب اتصال دائم بالمجتمع واتصال أوثق وأشد مع مبادئنا وروح وتراث أمتنا في جذر التعليم بقوة المبادئ وقوة التنظيم.
فالمراجعات الفكرية والاجتماعية والتعليمية تنشأ جوابًا على أمراض المجتمع كالإقطاعية والطائفية والرجعية الفكرية والأمية، التي تمس الجوهر الثابت من الأمور كالتعليم، وأيضًا بغرض المحافظة على الفكرة التاريخية للتعليم وتجديد الصلة بين حاضره وماضيه، أي بين تاريخ بداية التعليم وحاضره. فالتعليم يجب أن لا يتأثر بالظرف السياسي من حوادث داخلية أو حوادث طارئة مؤقتة تأتي في سنة من السنين أو لظرف الراهن نتيحة لتقلبات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية، وبالتالي هي محاولة لشق طريق العودة إلى نقطة البداية.
فمستوى النظر والتفكير يجب أن يكون على مستوى قضية التعليم لأن السياسات المحلية أو النابعة من تفكير شخصي أثبتت فشلها من خلال الشرط العملي، الذي يتعلق بالنتيجة الكلية والنهائية، فالتعليم له منطق خاص، فهو ليس مجرد خطة لتنظيم معرفة أفراد المجتمع وزيادة معلومات في مجالات علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة فقط، بل هو سر النفسية الجديدة في حياتنا ومجتمعنا.
. بدأ التعليم في السودان مع قيام الممالك السودانية القديمة المعروفة، التي كانت لها أنظمتها التعليمية المعينة، ولكن التعليم النظامي الحديث المرتبط باللغة العربية قد كان مع بداية دخول العرب إلى السودان في عهد خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكان التعليم من تلك الفترة وحتي تاريخ الغزو الإنجليزي المصري للسودان على نمط الخلاوي، التي ينحصر دورها على تعليم القرآن الكريم من عقيدة وتحفيظ إلى جانب تعليم أساسيات اللغة العربية وبعض مبادئ الرياضيات، وسميت فترة المرحلة الأولية من ذلك التاريخ بمدارس الكُتّاب، التي حافظت على ذلك الاسم حتى خمسينيات القرن الماضي.
. توسع الحكم التركي- المصري 1820 — 1881 في التعليم بفتح انواع جديدة من الخلاوي وتشييد بعض المدارس الأولية كذلك. كما أقامت البعثات التبشيرية الإيطالية الكاثلوكية والبروتستانتية البروسية أيضًا عدد من المدارس في بعض مدن السودان الكبرى، مثل الخرطوم، الأبيض، بربر، سواكن.
بعد سقوط الحكم التركي – المصري وقيام الدولة المهدية 1881 — 1898 أوقفت نشاطات تلك المدارس وبقيت الخلاوي وحدها هي المؤسسات التعليمية الوحيدة بشمال السودان، وقدر عدد الخلاوي عام 1899 بألف وخمسمائة خلوة ساهمت في في محو أمية ستون ألف من أطفال الشمال وتعلمهم القرآن . يلاحظ أن مصر قد ساهمت بقدر كبير في مجال التعليم العام في السودان فترة حكمها حيث انحصر عملها في البداية على تعليم أبناء الجالية المصرية، لكنها أخذت فيما بعد باستيعاب أبناء السودان – مدرسة جمال عبد الناصر الثانوية بالخرطوم، والكلية القبطية الابتدائية والإعدادية والثانوية – وتعاظم الدور المصري في التعليم بالسودان بإقامة عدد من المدارس بمدن السودان، الأبيض، عطبرة، بورتسودان، وبإنشاء جامعة القاهرة / فرع الخرطوم . وفي نفس الفترة نشأت مدارس الجاليات بعموم السودان ومدارس الإرساليات، كمدرسة الأمريكان الإرسالية بالخرطوم بحري . ومدارس كمبوني في مدن الخرطوم وبحري وأمدرمان، والأبيض .
. الفترة من 1899 — 1956 حُكم السودان من قِبل بريطانيا ومصر، وكان الحكم الفعلي لبريطانيا، إذ كانت مصر في تلك الفترة 1882 — 1956 خاضعة للسيطرة السياسية والعسكرية لبريطانيا، وكان السودان في غضون غالب سنوات الحكم الثنائي يُحكم بحسبانه دولتين، إذ أن الاستعمار البريطاني كان يهدف لعزل الشمال المسلم العربي في غالبه عن الجنوب ولم تكن السياسة التعليمية استثناء.
كان أول مدير للمعارف في تلك الفترة هو – جيمس كري – 1900 — 1914، الذي طبق سياسة تعليمية تهدف إلى:
أ- خلق طبقة من الحرفيين الأكفاء
ب – نشر التعليم في العامة بطرق تتيح لهم فهم أساسيات مبادئ عمل الجهاز الحكومي – إدارة العدل – .
ج- خلق طبقة صغيرة من الإداريين السودانيين لملء الوظائف الحكومية الصغيرة.
ولكن تجاوزت ثمرات التعليم من الارتقاء بالمستوى المعيشي للأسر إلى تنامي الوعي السياسي فكانت النتيجة قيام حركة الخريجين عام 1908 ومن بعدها مؤتمر الخريجين عام 1938، الذي أفرز شريحة واسعه من القوي الحديثة، التي زاحمت السياسة التقليدية وسحبت البساط من تحتها وقادت السودان في حراكها هذا نحو الاستقلال .
فالتعليم في جوهره ليس سياسة محضة، بل نهضة تستخرج أعمق ما في النفس من كنوز إنسانية أصيلة تدفع باتجاه بعث الروح والفكر والأخلاق والإنتاج والبناء وفي كل هذه المؤهلات والكفاءات العملية على قاعدة – المعرفة لا تكون صحيحة إلا إذا امتحنت بالعمل، فالعمل يغنيها ويصححها – . فالتعليم لا يعتبر قيمة في حد ذاته مالم يعبر عن الفكرة، التي يرتبط بها، فتجريد التعليم عن الفكرة تصبح قيمته فنية بحتة يمكن استخدامه وتوظيفه للخير والشر معًا، فأي شخص متعلم له معنى لحياته ورسالةيجب أن يؤديها تصل إلى مستوى التوجيه الإنساني والإشعاع على مجتمعه وأمته، فالتعليم يجب أن يعبر عن حياتنا الحقيقية وثقافتنا العربية والإسلامية وليس تعليمًا مجردًا بل روح .
ومن هنا نشأ اهتمام – البعث – بالتعليم وسياسته كفكرة وبرامج ،
فالمادة 13 من دستور الحزب تنص على – تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والحياة الاقتصادية – .
فالتعامل مع فكرة التعليم ينبغي ألا تكون هدمًا وسلبية وتنكبًا عن العمل الجاد، بل هو خلق وبناء وعمل إيجابي مثمر، وظهر اهتمام حزب البعث – قطر السودان – بالتعليم بواكير ظهوره من خلال الوثيقة الفكرية السياسية، التي جمعت بين دفتيها مقررات المؤتمر القطري الأول، بعنوان – البعث وقضايا النضال الوطني في السودان – التي تعتبر أساسًا. ومرجعًا فكريًا محايدًا ، وجوابًا يعالج فكرة التعليم ويضع له أساسًا وطنيًا وقوميًأ يتفق والشعور العام، فالوثيقة حصيلة لمداولات المؤتمر القطري الأول من خلال المجموع المتقيد بقانون ولوائح ونظم المؤتمر، والجمع ليس له إرهاف الفرد وقدرته على التعمق، فالفرد ينشد المعنى وراء اللفظ والتعبير العام، لذلك توكل إليه صياغة الآراء العامة بشكل أمين واقعي وثوري يتطابق ويتفاعل مع وحدة الهدف والفكر وآراء المجموع، وهذا ما يحدث في كل تقارير المؤتمرات الحزبية، ولم تغب مسألة التطورات، التي حدثت في التعليم عن مؤتمرات الحزب اللاحقة – المؤتمر القطري الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس ….إلخ آخر مؤتمر حزبي – متمنيًا تجميع التقارير الخاصة بالتعليم وفق المستجدات المقدمة للمؤتمرات –
وقد تضمن بيان البعث – قطر السودان – بتاريخ 31- 12-2024 في الذكري 69 للاستقلال تنبيه الحزب لخطورة ما يجري في قطاع التعليم ومحاولات التلاعب بقضية التعليم ، — …. استخدام طرفا الح-رب المؤسسات التعليمية والأكاديمية في الصراع السياسي، فلأول مرة في تاريخ الشهادة السودانية، أغلبية الطلاب والطالبات لم يجلسوا للامتحان جراء إصرار سلطة الأمر الواقع على إجرائها رغم مخاطر الح-رب، التي حرمت نحو 80% من الطلاب أدائها …..ألخ – .
———————–
المصادر والمراجع
1- بدر الدين حامد الهاشمي، ترجمة لكتاب التعليم في السودان إبان سنوات الاستعمار 1900 – 1957 .
2- جريدة الصحافة، مقال، التعليم – السلعة، التي تشكو الكساد – ، بتاريخ 2010/10/2.
3 – حزب البعث العربي الاشتراكي، وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان، ط بغداد 1973 .
4- حزب البعث، قيادة قطر السودان، بيان ، بتاريخ 2024/12/31.
5- مقال نشر بواسطة aR WiKiBeD OrG في النيلين، بتاريخ 18/ 10 /2ج10

Leave a Reply