زمان كان العرس للناس.. مش للعدسات

صحيفة الهدف

عزو شين

كان للزواج في نهاية التسعينيات مذاقٌ خاص، لا يشبه ما نراه اليوم من صالات فخمة وإضاءات ملوّنة. كانت الأفراح تُقام بروح الناس، لا ببهرجة المكان. في تلك السنوات، لم تكن “التجهيزات” عنوان الفرح، بل كانت العِشرة واللَّمّة والنية الطيبة هي أساس كل شيء.

تبدأ الحكاية من العزومة الكبيرة في بيت الأسرة أو في الحوش المفتوح، حيث تُنصب الطاولات الطويلة وتُعدّ الموائد بأيدي الأمهات والجارات. كانت الرائحة المميزة للأرز المفلفل والبهارات تعلن عن الفرح قبل أن يبدأ، والضحكات تمتزج بأصوات الأطفال وهم يركضون بين الكراسي الحديدية المجلدة بسيور البلاستيك.

أما ليلة الحفل، فكانت تُقام في صيوانٍ كبير يُنصب أمام البيت أو في الميدان القريب، تُزيّنه لمبات صغيرة متدلية كأنها نجوم على مقربة من الأرض. تتوزع الكراسي في صفوف بسيطة، وتصدح مكبّرات الصوت بأغاني الحقيبة أو بأغاني محمد الأمين وعبد الكريم الكابلي، بينما تتعالى الزغاريد مع كل خطوةٍ للعروسين.

العريس يدخل وسط الأهل والأصدقاء على إيقاع الطبول ودفوف النساء، والعروس تطلّ بخجلها وأناقتها الفطرية، لا يُرافقها فريق تصوير ولا كاميرات، بل عيون الناس المليئة بالمحبة والدعوات الصادقة. وبعد الحفل، يتجه العروسان إلى الفندق، ثم إلى منزل الحياة الجديدة، حيث تبدأ فصول عمرٍ جديد بصمتٍ وطمأنينة.

اليوم تغيّرت الطقوس. صالاتٌ فخمةٌ مكيَّفة، و”آوت دور” مزدانة بالورود والأنوار، وزفة العريس من باب، وزفة العروس من الباب الآخر، وديكور يروي قصةً من فخامة العصور الحديثة. كل شيء منظم وجميل، لكنه، كما يقول جيل التسعينيات، يفتقد حرارة البساطة وصدق اللحظة.

كانت أفراح الأمس تشبه الناس أكثر من الصور، وتُبنى على المودّة لا على الإبهار. وربما لهذا بقيت أعراس التسعينات في الذاكرة، لا لأنها كانت الأجمل شكلًا، بل لأنها كانت الأصدق شعورًا.

وتُظهر المقارنة بين أفراح التسعينات وطقوس الزواج الحديثة تحوّل الزواج من حدثٍ اجتماعيٍّ يُعبّر عن تلاحم المجتمع، إلى حدثٍ استعراضيٍّ يُعبّر عن الذوق الفردي والقدرة المادية. فقد تراجع حضور الجيران والأقارب لصالح قوائم المدعوين المنتقاة بعناية، وحلّت عدسات التصوير مكان الذاكرة الحية، وتقدّم الشكل على المضمون.

ومع أن هذا التحوّل يعكس تطوّرًا في الذوق والتنظيم، إلا أنه في الوقت نفسه يكشف عن خسارة دفء العلاقات القديمة، تلك التي كانت تُقيم الفرح بمعناه الحقيقي: الفرح بالناس، لا أمام الناس.

#ملف_الهدف_الثقافي #زواج_التسعينيات #الأفراح_القديمة #البساطة_الجمالية #الزواج_والتغير_الاجتماعي #العرس_للناس #عزو_شين #دفء_العلاقات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.