حكاية الحب الذي مشى بعكازين

صحيفة الهدف

سهل الطيب

قالت لي: تعرف يا سهل؟ أمي وأبوي اتزوجوا زواج عادي، وجابوني، وبعدها اتطلقوا طلاق عادي. أبوي سافر السعودية، غطس غطسة واحدة وما طلع، أخباره انقطعت من يومها.

فضلنا أنا وأمي عايشين مع بعض، لحدي ما النار مسكت في القطية.. يا الله يا الله أمي لحقت مرقتني من هناك، لكن النار كانت أسرع. تشوهات في وِجهي ورقبتي وأصابع يدي الشمال وجزء من صدري، بقن معاي من يومي داك.. كان عمري عشرة سنين بس.

سكتت شوية، وبصوت مبحوح واصلت: بعد فترة، أمي اتزوجها واحد من بلدنا، وسكنت معاه في قرية بعيدة شوية مننا. بصراحة كان متضايق مني، يمكن لأني بحب المدرسة والقراية، ودي كانت بالنسبة ليهو أعباء زيادة، فقامت حبوبتي، الله يديها العافية، جابتني المدينة. سكنت في بيت فيه خالتي وخمسة أولادها، خيلاني، وكان فيهم عمر، خالي الرقيق الطيب.. وأظنو كان بيشبهني، لأنه عندو إعاقة دائمة، وبمشي بعكازين.

ابتسمت بخفة، وقالت: المهم، عشت معاهم حياة جميلة رغم المضايقات البسمعها من زملائي وزميلاتي في المدرسة. ولما دخلت الجامعة زادت السخرية والهمز واللمز. كنت بحس إني بنهار أحيانًا، لكن رغم كدا كنت متصالحة مع نفسي. مهما حاولت أخفي التشوهات ما بنجح، لو غطيت وِجهي بتظهر أصابعي، ولو لبست واسع بيظهر غيرو.. لكن كنت أقول لنفسي: يا بت، إنتي اتخطيتي الابتدائي والمتوسطة والثانوي بنفس الشكل دا، ليه الجامعة تغلبك؟

خالي عمر كان الوحيد البفهم الإحساس الجواي، رغم إني ما كنت بحكي ليهو حاجة. وكان في شخص تاني.. شخص ما بعرفو، خفي، بدا معاي من نهاية الثانوي. كنت مرات أطلع من البيت، ألاقي جوابو في خشم الباب. مرات يلصق وردة صغيرة على الورقة، ويكتب كلام ناعم.. يقول لي: بخاف أقيف قدامك تضحكي فيني أو ترفضيني، لكن صدقيني إنتِ داسة ورا شكلك دا إنسانة جميلة وملائكية. ومرات يكتب شعر، أو يقول: لما تمشي الجامعة خدي ابتسامتك معاك، يمكن أقابلك بالصدفة، وأتعرف عليك من نُور ضحكتك.

ضحكت وقالت: كنت بلقى الجوابات دي مرمية بحرفنة.. مرة تحت الشجرة، مرة جمب العتبة، ومرة لاصقة في فرع. كمية من الجوابات كانت زي البلسم ليَّ، كل ما أحس الدنيا ضاقت أو معنوياتي نزلت أقرأها وأقوم جديدة. ما كنت بهتم بعد داك لأي زول يعلق على شكلي، ولا بحرق في صدري، ولا بأصابعي.. اتعلمت أعيش.

تنهدت بعمق قبل أن تقول: لكن.. القدر كان بخيل في النهاية. خالي عمر ذاتو وهو بيقطع الشارع صدمو راكب موتر، دخل العناية المركزة وبعد تلاتة أيام فارق الحياة. العزاء طال، والحزن طال أكتر. وبعد شهور حاولنا نرجع لحياتنا شوية شوية، واتخرجت من الجامعة بإمتياز.

صمتت لحظة، ثم قالت بصوت مبحوح: لكن الغريب، من يوم خالي عمر مات، الجوابات وقفت. ما لقيت ولا ورقة واحدة. يومها، لما فتحت شنطتي القديمة، لقيت آخر جواب، مكتوب فيهو: لو غبت، ما تبكي.. لأنو وجودي حواليك كان دايمًا أقرب مما تظني.

وقتها بس فهمت.. الجوابات الما كان فيها عنوان كانت رسائل عمر خالي، البمشي بعكازين، والبيحبني بصمت.

#ملف_الهدف_الثقافي #حكاية_حب_بعكازين #سهل_الطيب #الأدب_الوجداني #قصة_سودانية #الحب_الصامت #التصالح_مع_الذات #القدر_الخفي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.