#الهدف_آراء حرة
م.عبد المنعم مختار
في المشهد الصحفي السوداني، حيث تتناوب العواصف والأزمنة، يبقى اسم عبدالله رزق أبو سيمازة أشبه بنجمةٍ لا تغيب، تضيء كلما أظلمت المهنة أو خفت بريق الكلمة. هو الصحفي الذي لم يكتفِ بأن يكتب، بل علّم الكتابة كيف تكون مسؤولة، وكيف تكون الكلمة وطنًا وموقفًا لا مهنةً للرزق.
صحفيٌّ ومحلل سياسي وناقد أدبي، ومثقف موسوعي يمزج الفكر بالأناقة، والمعرفة بالخلق، والالتزام بالتحرر. ومن بين يديه خرج جيل كامل من الصحفيين الذين تعلموا أن الصحافة، كما كان يقول، “مهنة المتاعب لا مهنة الأرباح، ورسالة الوعي لا رزق العابرين”.
منذ أن أصدر جريدته الحائطية الأولى في النهود عام 1970، أدرك رزق أن القلم لا يُستعار، وأن على الصحفي أن يكون صاحب موقف لا صدى لغيره. لهذا ظل ثابتًا أمام تقلبات الأنظمة وإغراءات المناصب، صامدًا في صف الحرية والديمقراطية، مؤمنًا أن الصحافة لا تحيا إلا في ظل مجتمع حرّ، وأنها ـ كما كان يردد ـ “السبابة والوسطى في علامة النصر”.
تميّز بأسلوب تحليلي باذخ، يجمع بين عمق الفكر الأدبي ودقة التحليل السياسي. وقد تُوّجت تجربته بعملين فريدين يُعدان وثيقتين نادرتين في سجل الفكر والإعلام السوداني:
«بعض الرحيق… الخرطوم تكتب وتلعب بالتراب»، وهو عمل أدبي تأملي يرصد تحولات المدينة بوصفها كائناً حياً يكتب تاريخه بترابه.
و**«مغرب الصحافة السودانية التقليدية: تحديات الراهن ورهانات المستقبل»**، الذي يرسم بانوراما دقيقة لتحولات المهنة من المطبعة إلى المنصة، ومن الورق إلى الأثير الرقمي، مؤرخًا لعصرٍ كامل بأدوات ناقدٍ بصير ومثقفٍ شاهدٍ على زمنه.
ولأن الأجيال تُقاس بما تُخلّف من بصمات، فقد ترك رزق في تلامذته أثر المربي قبل الكاتب. غرس فيهم قيم الصدق المهني والاستقلال عن سطوة السلطان، وذكّرهم دائمًا أن الصحافة ليست حيادًا بارداً بل انحيازٌ واعٍ للحقّ والناس.
عبدالله رزق يستحق أن يُكرم في حياته، لا في غيابه، لأن أمثاله لا يُرثون، بل يُحتفى بهم وهم يواصلون التعليم والكتابة بفتنة المبدع وهدوء العارف.
إنه ليس مجرد اسم في سجل المهنة، بل ذاكرة الصحافة السودانية وضميرها الحيّ، الرجل الذي جعل من الكلمة صلاةً ومن الموقف ميثاقًا.
وفي يومه العالمي، نقول له كما قال الشاعر:
> “هو كالعود ينفح العطر للناس، ويفنى تحرقًا واشتعالًا.”
فلتبقَ، يا أبا سيمازة، ما بقي للصدق مقام، وللكلمة نبض.

Leave a Reply