الحرب الدائمة: من الصراع العسكري إلى حرب الهوية (2 – 9)

صحيفة الهدف

سلسلة مقالات: ثقافة السلام في زمن الحرب الدائمة (من البقاء إلى الازدهار – رحلة إعادة اكتشاف الإنسانية)

تأتي سلسلة مقالات (ثقافة السلام في زمن الحرب الدائمة: من البقاء إلى الازدهار – رحلة إعادة اكتشاف الإنسانية)، في سياق السعي إلى إعادة تعريف معنى السلام كفعل وعي ومقاومة، لا كاستراحة بين حربين؛ وفي محاولة لاستعادة إنسانيةٍ تتآكل تحت ركام العنف، وإحياء صوت العقل في زمنٍ صار فيه الصمت لغة الخوف. تناول المقال السابق: السلام كفعل مقاومة: إعادة تعريف السلام في زمن الحرب، أما المقال الحالي، فينتقل إلى بعدٍ مكمّل: الحرب الدائمة: من الصراع العسكري إلى حرب الهوية.

أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

الحرب لا تبدأ بالرصاصة الأولى، بل تبدأ عندما تتحول الكلمة إلى سلاح، والذاكرة إلى ساحة معركة، والهوية إلى خندق. فقبل أن تشتعل البنادق، تكون النفوس قد احترقت، وتكون الحقيقة قد اغتيلت في خطابٍ تعبويٍّ يهيئ البشر لتدمير أنفسهم بأيديهم.

لقد تغيّر وجه الحرب في عصرنا، فلم تعد جيوشًا تتقابل في الميادين، بل أصبحت حربًا متواصلة ضد الوعي، ضد الذاكرة، ضد الإنسان نفسه. إنها لم تعد حدثًا عابرًا، بل حالة دائمة تسكن الجغرافيا والعقول، وتُعيد تعريف الوجود البشري وفق منطق القوة لا وفق معنى الحياة. فالحرب الحديثة ليست مجرد نزاع مسلح، بل مشروع مستمر لإعادة صياغة الإنسان وإعادة كتابة ذاكرته.

حين تتحول الهوية إلى ملاذٍ للخائفين، تصبح السلاح الأخطر في يدّ من يعرف كيف يوظّف الخوف. فالطائفية لم تعد انتماءً دينيًا، بل صارت قناعًا سياسيًا يبرر الإقصاء. والعرقية لم تعد مجرد أصل، بل تحوّلت إلى جدارٍ نفسي في مواجهة الآخر. والمذهبية لم تعد تفسيرًا روحيًا، بل رايةً مرفوعة في حروبٍ تبحث عن مبررات أخلاقية. الخطر ليس في تعدد الهويات، بل في جمودها وتحولها إلى أوثانٍ مغلقة ترفض الحوار وتُقدّس الصراع، فتغدو الأوطان مجرد فسيفساء من الخنادق الصغيرة التي تخاف بعضها.

وفي هذا العالم الممزق، أصبحت الروايات التاريخية جبهاتٍ جديدة للق-تال. فالتاريخ لم يعد ذاكرة مشتركة بل أصبح أرضًا يتنازعها الجميع. كل طرف يعيد كتابة الماضي ليثبت حقه في الحاضر، فيتحول السرد إلى سلاح، والذاكرة إلى ساحة معركة أخرى. من يملك الرواية يملك تفسير العالم، ومن يملك التفسير يملك المستقبل. وهكذا لم تعد الحروب تدمّر المدن فقط، بل تدمّر الحقيقة ذاتها، وتستبدلها بخطابٍ يبرّر الدم بالحق، والهيمنة بالفضيلة.

الرموز بدورها لم تنجُ من هذا الخراب. فالجامع والكنيسة، الأغنية والتمثال، العلم واللغة — جميعها أصبحت أدوات تعبئةٍ لا إشارات حضارة. حين يتحول الرمز إلى سلاح، يفقد قداسته ويغدو أداةً في يد السياسة، وتتحول الثقافة إلى معركةٍ بين من يرفع الشعار ومن يُسقط المعنى. إن الحروب الحديثة لا تكتفي بقتل الأجساد، بل تق-تل الرموز، التي تمنح الإنسان معنى، فتتركنا في فراغٍ روحي هائل يُعادل خراب المدن.

لكن الدمار الأكبر لا يُرى في صور الخراب، بل في النفوس. فالحرب الطويلة تُنبت أجيالًا تتعلّم أن الخوف هو اللغة الأولى، وأن العنف هو السبيل للبقاء. أطفالٌ كبروا تحت القصف أصبحوا رجالًا يحملون في أعماقهم ندوبًا غير مرئية، جروحًا لا تظهر في الأشعة لكنها تتحكم في مصائر المجتمعات. إنها الصدمة الجماعية، التي تتحول إلى سمٍّ اجتماعي ينتقل من جيلٍ إلى جيل، فيعيد إنتاج الحرب حتى بعد أن تصمت المدافع.

ومع هذا الخراب النفسي، يتفكك النسيج الاجتماعي. يصبح الجار غريبًا، والصديق متّهمًا، والأخوّة مجرد احتمال خيانة. الخوف يُحوِّل الناس إلى جزرٍ معزولة، والثقة إلى ذكرى من زمنٍ كانت فيه الجماعة ممكنة. وحين يفقد المجتمع ثقته بنفسه وبمؤسساته وبمستقبله، يبدأ في التآكل من الداخل حتى دون أن يُطلق رصاصة. ففقدان الثقة هو الموت البطيء للمجتمعات، القبر الذي نحفره بأيدينا ونحن نظن أننا نحمي أنفسنا.

إن أخطر ما في (الحرب الدائمة) أنها تق-تل إمكانية السلام في الوعي قبل أن تق-تلها في الواقع. فهي لا تُبقي مساحةً رمادية بين الأبيض والأسود، بل تفرض على الإنسان أن يكون إما جلادًا أو ضحية. وعندما يستمر هذا المنطق طويلاً، يتحول الاستثناء — الحرب — إلى قاعدة، ويتحوّل السلام إلى حلمٍ يُتهم صاحبه بالسذاجة. وهنا تصبح الحرب هي (الطبيعي الجديد)، ويغدو السلام نفسه فعلاً من أفعال المقاومة.

ومع ذلك، فإن تشريح الحرب ليس دعوة لليأس، بل بحث عن بذرة الأمل في ركام الكارثة. فمعرفة الجرح هي بداية الشفاء، ومواجهة الألم هي الخطوة الأولى نحو تجاوزه. إن أعظم مقاومة في زمن الحرب الدائمة هي أن نحافظ على إنسانيتنا حين يريدوننا أن نصير وحوشًا، وأن نتمسك بالأمل حين يصبح اليأس عقيدة. فربما لا نستطيع وقف الحرب غدًا، لكننا نستطيع أن نمنعها من السكن في داخلنا.

فالحرب تُجرِّد الإنسان من المعنى، أما الوعي فيُعيد له قدرته على الفهم والمغفرة والبقاء. لذلك تبقى المقاومة الحقيقية في أن نعيد تعريف الشجاعة، وكما يلي ليست الشجاعة أن نحمل السلاح، بل أن نحمل الأمل في زمنٍ يُكفَّر فيه الأمل. ليست البطولة أن ننتصر على العدو، بل أن ننتصر على الكراهي-ة التي يريد أن يزرعها فينا. لأن الذين يربحون الحرب قد يخسرون أنفسهم، أما الذين يربحون وعيهم فهم الذين يؤسسون لعالمٍ لا يُبنى على الرماد.

وهكذا، فإن الحرب الدائمة، رغم قسوتها، تُذكّرنا بما نسيناه – أن الإنسان حين يفقد إنسانيته لا يعود في حربٍ مع الآخر، بل في حربٍ مع ذاته. ومن هنا تبدأ المقاومة الحقيقية — مقاومة النسيان، مقاومة التوحش، مقاومة اليأس. فأن تظلّ إنسانًا في زمنٍ لا إنساني، هو أعظم انتصار يمكن أن تحققه روحٌ خرجت من تحت أنقاض العالم.

يتبع لطفًا،،،،،،،،،،،

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.