محسن عز الدين
#الهدف_آراء_حرة
منذ أن تسلّمت مجموعة من اللصوص والفاسدين سلطة الحكم في بلادي، بدأت الحكاية السودانية المأساوية مع ما يُسمّى “المليشيات”. لم تكن وليدة الضرورة ولا صنيعة الدفاع عن الوطن، بل صناعة شيطانية ابتكرها النظام الكيزاني لتفتيت البلاد ونهب ثرواتها تحت شعارات زائفة.
المليشيا الأولى كانت الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وهي حركة سياسية ومسلّحة رفعت شعارات العدالة والمساواة. لكن النظام الانقلابي حينها حوّل الصراع السياسي إلى حرب دينية مقدّسة، فصار يُقال إن من يُقتل من الجنوب “في النار”، ومن يُقتل من الشمال “شهيد في الجنة”.
بهذا الخطاب الديني المضلِّل، غطّى النظام على جوهر المعركة الحقيقي، الذي لم يكن سوى صراع على السلطة والسيادة وتوزيع الجغرافيا السياسية.
واستمرت الحرب حتى عام 2005م، حاصدةً أرواح ما يقارب مليوني إنسان، قبل أن يضغط العالم لإيقافها، فكانت النتيجة انفصال الجنوب وضياع جزءٍ من الوطن، بينما ظل النظام متمسكًا بكرسي الحكم.
ثم جاءت المليشيا الثانية في الغرب بقيادة خليل إبراهيم، شقيق جبريل، في نسخة جديدة من ذات اللعبة: صناعة عدوٍّ جديد وتغذيته حتى يُصبح ورقة للمساومة. تبعها موسى هلال بميليشيا ثالثة، ثم المخلوق الأكبر للنظام: قوات الدعم السريع، التي كانت أداة السلطة في حروبها الداخلية، حتى تحوّلت اليوم إلى خصمٍ وعدوٍّ لها.
تكرّرت المسرحية ذاتها: النظام يصنع المليشيا، يُغذيها بالمال والسلاح، ثم يُحاربها حين تتمرّد عليه. دارفور كانت الميدان الأكبر لهذه الفوضى، بين ولاةٍ من قادة مليشيات مثل عقار ومناوي والحلو، وبين مليشيا تحارب أخرى، بينما الكيزان يتفرجون ويكسبون من دماء الجميع.
الحقيقة الواضحة اليوم: العدو الحقيقي ليس المليشيات، بل من صنعها.
من أنشأ قرنق، وخليل، وجبريل، ومناوي، وموسى هلال، وكيكل،والبراؤون وغيرهم، هو نفسه من أشعل الحرب اليوم.
النظام الانقلابي هو المصنع والمفرخة والمستفيد الأول من الخراب.
لقد حوّل الكيزان حتى الجيش السوداني إلى مليشيا تابعة، ووزّعوه كغنائم بين الولاءات. كما سيطروا على الاقتصاد الوطني بكل موارده — من النفط إلى الزراعة والذهب — ليكون تحت سلطة المليشيات وأمراء الحرب، لا تحت سلطة الدولة.
وهكذا تحوّل الوطن إلى ساحة صراعٍ بلا نهاية، والنتيجة واحدة:
دماءٌ تُراق، وثرواتٌ تُنهب، وكيزانٌ يواصلون اللعب بالنار.

Leave a Reply