د. مصطفى العميري
1 كانت بغ.دادُ تمشي فينا، مدينةٌ تتنفسُ بين لغتين، تكتبُ أسماءَنا على الماء، ثم تمحوها بالريح. في المساء، كانت رابطة الطلبة السودانيين في حي الوزيرية تشتعلُ بنقاشٍ لا ينتهي: من يربحُ أولًا، الحب أم الح.رب؟ وهل الذاكرةُ تنقذُنا أم تُعيدُنا إلى الجرح؟ هل الوطنُ مكانٌ، أم شعورٌ حين نفتقده؟ وهل الغربةُ تبدأُ حين نغادرُ البلاد، أم حين تغادرُنا المعاني؟ والنهرُ من بعيدٍ، يصفّقُ بأمواجه لكلّ من يجرؤ على الحلم.
2 كنا غرباءَ بلغةٍ واحدة. تونسيون، مغاربة، فلس.طينيون، لبنانيون، وسوريون، نلتقي تحت ظلالِ شجرةٍ في الحديقة، ونضحكُ على فكرةِ الحدود. لكنها، كانت من جنوب العراق، من أرضٍ تشربُ الشمسَ قبل أن تزرعَ القمح، حين كانت تضحك، كان الهواءُ يغيّر لونه. كأن بغ.دادَ تتذكّرُ أنها مدينةٌ يمكن أن تُحبّ.
3 هو كان طالبًا عربيًّا، يؤمن بالمسرح طريقة للنجاة، لا للتمثيل، يرى في الجسد نصًّا آخر من اللغة. كانت تصغي، كمن يرى وطنه في عيني غريب. كلُّ مساءٍ، كانا يكتبان المشهد ذاته: شجرة، مقعد، ظلّان يتقاطعان. كانت تقول له بصوتٍ يشبه الهمس: “كلُّ المنافي تشبه الانتظار، حتى حين نكون فيها معًا”. فيبتسم ويجيبها: “والح.ربُ ليست في الخارج، الح.ربُ حين نحاول أن ننسى”.
4 لكن البلاد كانت أقوى من الحلم. هو من بلدٍ لا يشبهها، وهي من أرضٍ لا تتسع إلا لأبنائها. حين اشتعلت الحكاية، تدخّلت الجغرافيا، وضاعت الكلمات بين اللهجات والخرائط. لم يرحل بأمرٍ عسكري، بل بأمرٍ من القلب. هاجرَ كما يهاجرُ الضوء من آخرِ الغيم، وتركها هناك، كفصلٍ ناقصٍ من روايةٍ لم تُكمل.
5 منذ فراقها، صار يمشي على الأرصفة كمن فقد اسمه، يتتبعُ ظلَّها في الوجوه العابرة، وفي نوافذِ المقاهي التي كانت تجمعهما. كان يكتبُ إليها رسائلَ لا يرسلها، يتركُها على طاولاتِ الغربة لتذبل بالحبر. الذين عرفوه قالوا: إنه صار يتحدثُ بضمير الغائب، وكأنها ما زالت هناك، تسنده كي لا يسقط من الذاكرة. كتب ذات مساءٍ على هامش دفتره: “الذين يحبّون من بعيد، ينامون في قلبِ المسافة، ولا يستيقظون.”
6 في الخارج، كانت الح.ربُ تكملُ عملها في صمت. القطاراتُ تمتلئُ بجنودٍ بلا وداع، والسماءُ تحصي الغيابَ كواجبٍ يوميّ. أما نحن، كنا نكتبُ كي لا نموت، ونضحكُ كي لا نصدق الأخبار. كنا نقيمُ في بغ.داد كمن يقيمُ في جملةٍ مؤقتة، بلا فاعلٍ ولا نهاية.
7 بعد أعوام، حين أعودُ في الذاكرة، أراه، يمشي على ضفافِ المدينة القديمة، شَعرُه مثقلٌ بالغبار، وصوته كأنه يخرج من زمنٍ بعيد. يقول لي بصوتٍ واهن: “لم أكرهْها لأنها تزوجت، كرهتُ البلاد لأنها لم تحتملْنا معاً”.
8 هكذا انتهت الحكاية.. لا بموتٍ، ولا بخيانة، بل بحدودٍ رُسمت بين قلبين. من هناك بدأتُ أفهم: أن الحبَّ ليس خلاصًا، بل اختبارٌ للغربة داخل الجسد. وأن الذاكرةَ ليست مكانًا نعود إليه، بل حديقةً نمرّ بها ونتركُ عليها ظلالَنا.. ثم نواصلُ السير.
#ملف_الهدف_الثقافي #مصطفى_العميري #أدب_المنفى #بغ.داد #قصة_قصيرة #حكايات_الذاكرة #الغربة_والح.رب #أدب_عربي #الحدود_والحب #الوزيرية

Leave a Reply