قررت أن أفكر بعيدًا عنها حتى لا أقع تحت تأثيرها. عبرت النهر إلى كريمة، وبدأت أسترجع الأمر كله منذ البداية. فور وصولي إلى الخرطوم قادمًا من غربة بعيدة وطويلة، أسرعت بالسفر شمالًا قاصدًا نوري، وكان ذلك أيام التسليم والتسلُّم بين الألفية الثانية والثالثة.
بلدتي الجميلة، يدللها النيل وتحرسها الجبال وأهرامات الأجداد. يرقد في الأهرامات (الطرابيل) تهارقا وبعانخي (بيا) وغيرهم من ملوك النوبة العظماء. نوري عمرها آلاف السنين، وتبدو كفتاة في العشرين، يحبها كل من يراها، وإليها دومًا تسرع الأشواق. أحبتها الشمس وتبعها القمر والكواكب، وتزين النجوم ليلها كل ليلة، وينازعها القمر في بعض الأيام.
حين يكتمل القمر بدرًا تظهر كل الأشياء جمالها، ويمسي المكان جميلًا لدرجة تفوق قدرتك على استيعابه. صفت أجواؤها للقمر والنجوم، وزادها القمر ضوءًا، والنجوم توهجت وأطالت بقاءها. في النهارات تتحايل الأشجار على مشاعر الشمس الحارة بالمودة، فتتقارب أشجار النخيل في حنان، وتتجاور أشجار المانجو والبرتقال في محبة، وتنتشر الظلال الوريفة يستجم فيها الهواء ويلهو النسيم.
أرضها الخصبة تنبت كل البذور، وقلوب أهلها ترحب بكل من يزور. مرأى قطرات الندى في الصباح وهي تلتصق بأوراق وسيقان البرسيم الرقيقة متعة لا يخرجك منها إلا رائحة زهور البرسيم البنفسجية الجميلة. كنت مشتاقًا لدرجة أن راودتني نفسي وأغرتني بالقفز إلى النهر العميق لأصل سباحة، مندفعًا بأشواقي الشديدة مغالبًا حنيني. ضبطت نفسي ودخلت إلى المركب الصغير، تمايل المركب مدعيًا عدم التوازن، لكنه كان متواطئًا مع أشواقي المتدفقة. جلست بداخله قبل أن تغلبني أشواقي.
مرأى النخل ذكّرني بطعم العسل في الرُطب. عندما يكتمل نمو البلح ويتحول لونه إلى الأصفر أو الأحمر تبدأ المرحلة اللذيذة. ينساب العسل ببطء من النخلة إلى التمرة عبر السبيطة، من قعر الرطبة نحو رأسها. حتى التمر معطاء بالفطرة، فالعسل يبدأ من رأس الرطبة لكنه يمرره إلى آخرها حتى يكتمل النضج وتمتلئ التمرة كلها بالعسل. ينساب العسل ببطء، ويكون “أم رأس” و”أم نص” و”مطوطية” تشبه زجاجة السمن. يقترب طعم الرطب من طعم القُبَل، ويصعب التوقف عن تناوله حتى ينتفض الحلق بحشرجة العسل المركّز.
أقول لك سرًّا: طعم الصفوري في نوري هو السبب الأول لعودتي من الغربة. قد تستصغر ما أقول، لكن أليست حياتنا كلها تقوم على مثل هذه الأشياء الصغيرة؟ أليست هذه الأشياء الصغيرة هي التي تعطي لحياتنا معناها؟
لكن الذي حدث في بداية زيارتي هذه أربكني وشتت تفكيري. قررت أن أفكر في الأمر بهدوء وبعيدًا عن أي تأثير. عبرت النهر الكبير وذهبت إلى كريمة، تلك المدينة الأم وسط عشرات البلدات والقرى على ضفتي النهر الوفي. يعشقها القطار، يترك كل حبيباته من المحطات الأخرى ويطيل بقاءه في كريمة. البعض يهمس بقصة حب تربطه بالبواخر التي تبدأ رحلتها من هنا وتمر بموانئ ممرحبة حتى تصل دنقلا، لكن البواخر أيضًا تطيل بقاءها فيها.
يمكن القول إن القطار يتقطع وجْدًا في كريمة، والبواخر تفعل الشيء ذاته في المرسى. لم يفكر أحد من قبل في سرّ تزايد سرعة القطار من الكاب وحتى كريمة، إنه الشوق الذي لا تقدر على كبحه الفرامل. مرة اندفع القطار بأشواق العيد ولم يتوقف إلا في طاحونة خارج مساره بأمتار عديدة.
في كريمة جلست على الضفة وتمترست بالرصيف الحجري القصير. كريمة تصد النيل بالرصيف، ويفاجئها الفيضان من البركل البلد. “شِبا” تقفز عاليًا لتحيي الجرف والعقدة. الجرف فحل جموح تحصنت منه العقدة والسويقات بمساحة من رمال الصحراء. السويقات يطربها الكاسنجر بمديح حاج الماحي، وتغريها كريمة بالدنيا. السوق يستوقف العربات ويتشبث بها، لكنها تغافله وتسرع نحو البركل: شِبا، مروي، الدتي، الكرو، الدهسيري، الزومة، حزيمة، مقاشي، المقل، البخيت، الحجير، وبلاد غيرها.
على رمال كريمة مشيت متمهلًا باتجاه شاطئ النهر، وضعت قدمي فوق قضبان السكة الحديد. تذكرت ملايين الناس والأطنان التي احتملتها هذه القضبان القوية اللامعة. السوق التحت كان قديمًا ممرحِبًا كعهدي به. جلست أحتسي كوبًا من الشاي وأفكر. أرسلت بصري عبر النيل إليها، أشجار النخيل أطلقت ضفائرها للنسيم العابث. كعادتها، اصطفت قرب الضفة ترحب بكل القادمين بلا فرز.
خانني قلبي كعادته عند مرأى نوري، جعلني ذلك أعيد التفكير بهدوء. لقد كانت دومًا جميلة، طيبة، حنونة. ومن كانت هذه صفاتها حتمًا تستحق فرصة للتوضيح. اجتررت ذكرياتي معها، عاودتني جميلة حلوة. وأنا في مكاني هذا عدت بتفكيري إلى لحظة وصولي إلى نوري قبل عدة أيام.
الآن أتذكر لحظة دخولي مركبًا صغيرًا يتراقص بفعل الموج على شاطئ كريمة. المركب الصغير وجد نفسه في معركة أزلية بين الضفة والأمواج، كلاهما يغريه بالأماني ويسحبه بهدوء. الموج كاد ينجح، لكن حبلًا صغيرًا كان يساعد الضفة في كل مرة. بعودة الحبل إلى المركب غادرنا الشاطئ باتجاه نوري. عند مرأى النخيل غافلتني دمعتان وسكنتا عينيّ للحظات، أحسست بالنخيل يتزاحم على الضفة حتى خفت أن يتساقط في النهر الكبير.
رسى بنا المركب الصغير على الحافة الطينية، لكن حالما نزلت غاصت رجلي في الطين. وجدت صعوبة في اقتلاع نعلي وتنظيفه، فالطين طوّقه من كل الجهات. أيضًا أتذكر الآن صوتًا أجشًّا تهيأ لي أنني سمعته.. نعم، سمعته، فلطالما سمعت أصواتًا بداخلي وفهمتها بوضوح. كان صوتًا زاجرًا، وأنا لم أفعل شيئًا يستحق ذلك. لم أتوقع نهرًا يزجر، وإن توقعت نهرًا يجري.
وهذه الشوكة الصغيرة التي انغرست في قدمي وانكسرت رافضة الخروج، غير ميتحة ما أمسكه بها لأنتزعها من كعب رجلي، لقد كنت محظوظًا أن وجدت تحتي شوكة أخرى أكبر، تمكنت بها من أن أستخرج الشوكة الصغيرة من قدمي. وهناك تلك البلحة التي لم يعجبني طعمها؟ والذي أعرفه جيدًا وأقتنع به تمامًا هو أن كل شيء طعمه لذيذ في نوري. كل هذه دلائل وشواهد تدل على أن الأمور لم تعد كما في السابق.
أعلم أن المغادر يحتفظ في ذاكرته بآخر ما التقطته عيناه من مشاهد، بعض منها يطوره عقله بالتخيل، والبعض يغفل عنه حتى تفاجئه حقيقة مثل هذه. نعم، قضيت في الخارج سنوات طويلة، ولا بد أن أشياء كثيرة قد تغيرت. ولكن هل يُعقل أن تتغير نوري؟ نوري حبي وملاذي وحضني الذي يحتويني لحظات ضعفي وأوقات حيرتي واحتياجي، أيمكن أن تكون قد تغيّرت هكذا فجأة؟
احتوشتني الحيرة، وتناوشتني الظنون، واحتكرني الشك. إذن لأعترف بالحقيقة المرة: لقد تبدلت محبوبتي وأشاحت عني بوجهها الجميل. أنا الذي ظللت أحلم بها طوال سنوات غربتي، أحدث الناس عنها، وأتشبث بكل ما يذكرني بها، وأحسب دقائق عمري ترقبًا للعودة إليها، أشتاق لكل ذرة فيها من حوافها مع مروي وحتى تخوم البلل.
عند منتصف النهار نفضت الغبار عن عزيمتي، وقذفت بعيدًا ترددي، ونهضت بطاقة حزني وأسرعت نحو المراكب متجاوزًا توسلات الحنين بالتروي. ساعبر إلى نوري للمرة الثانية خلال أيام، ولمرات لا تُحصى خلال حياتي، كلها كانت حلوة كعسل الرطب إلا هذه المرة. ها أنا أعود لأعرف السبب.
الجروف الصغيرة في شاطئ كريمة كانت تتكسر تحت قدمي (كَرَج كَرج كَرَج). البنطون كان متضامنًا مع مصنع تعليب الفاكهة والخضر (الروس) ومصنع تعليب التمور. الماكينات الضخمة تضج حين تعمل، وعندما تتوقف تسكن أزمنة طويلة. رأى البنطون (الزهرة) تتهادى في مياه النيل فأعجبته، فغيّر مشرعه لأجلها. زفّتها له (الجلاء) و(كربكان) وبواخر أخرى.
بنطون “إششي” الصغير أسرع به الشوق نحو إتماري وإقري وإششي وشري وأمري، وجزائر ترسو عندها أزواجه المراكب. أنا أسير بقوة صوب المراكب التي تعبر النهر إلى نوري. في انتظار توافد آخرين راودتني أفكار كثيرة. تحرك بنا المركب منسابًا على سطح النهر الهادئ، سطحه مثل مرآة ضخمة تعكس بصدق أحوال الشواطئ، بينما حجبت صفحة النهر كل ما تحت سطحه.
عيناَي فضحتا بسهولة خوفي الغريزي من لجة النهر العميقة، لكن نسيمًا عاقلًا غشاهما مشوشًا قراءتهما على الفضوليين. كبحت هواجسي التي تعصف بي حتى لا أؤثر على توازن المركب الدقيق. هدأت دواخلي، ومددت يدي وداعبت النهر، فأهداني رشفة من خالص مائه، شربتها ومسحت وجهي بيدي.
وصلنا إلى الضفة. لم تبلل ثيابي نقطة ماء، وضعتُ رجلي على الضفة، فلم يغص بي الطين هذه المرة. لكن فجأة اندفع نحوي رذاذ من ماء النهر، لم يكن بمقدوري تفاديه. سكن ثيابي وتشبث بنسيجها القطني. كل هذا زاد من ظنوني تجاه نوري التي حدث كل ما جرى لي برضاها وربما مباركتها.
عند صعودي الضفة المنحدرة تدريجيًا نحو الحفير، شعرت بأن أحدًا ما يراقبني. تلفّتُّ فلم أرَ شيئًا، لكن حدسي حدثني أني لست واهمًا. صوبت بصري نحو النيل، فلم يكن ثمة من يتحرك، ومع ذلك أحسست بشيء ما؛ شيء من تلك الأمور التي لا ترتكز على ما يمكن للعقل أن يصفه أو يدلي بما هو ملموس بشأنه. لطالما صدق حدسي، لكني كذبته هذه المرة، واتهمت النهر بمراقبتي مبتسمًا، وهو يشير لي بالتقدم نحو غابة النخيل.
لاحظت أن غابة النخيل الكثيفة انداحت بتراجع النخلات، ثم عادت كل واحدة إلى مكانها المحدد. وجدت نفسي محاطًا بالنخيل وأشجار المانجو. الحفير التحت سدَّ الطريق خلفي، قاطعًا عليّ مجرد التفكير في التقهقر للوراء. زاد خوفي اختفاء النهر، الذي حجبه النخيل بالتواطؤ مع شجيرات الشوك الكثيفة. شكوت النيل للنخيل، فضحكا من سذاجتي — النخيل والنيل معًا.
تبدد هذا الشعور الزائف إذ ذكّرت نفسي أني في نوري. دفق ذلك في دواخلي إحساسًا بالطمأنينة وأراحني لوهلة، لكن الخواطر المقلقة عادت تتدافع في عقلي. ثمة أمر غريب.. شعرت بخواطر لا تخصني تستأذن في الدخول. وبوجودي في هذا الجو الحميم، غابة النخيل وجاراتها الطيبات من أشجار المانجو والشجيرات الأخرى، والحفير العجوز وأبناؤه من الجداول المطيعة والحشائش البريئة، سمحت لها بالدخول.
انساب خاطرٌ أفهمه ولا أسمعه، اندفع مغالبًا نفسه شارحًا بهدوء ما أمكنه ذلك. لم أجد صعوبة في فهمه، لطالما عبرتني خواطر فهمت أغلبها وتجاهلت بعضها. كان الخاطر بداخلي وليس مني، يواصل انسيابه:
لنبدأ بالطين، ذلك الكبير بعقله الطيب البسيط. لا يفطن إلى أن الزمن السرمدي يترك آثاره ببطء عليه، بينما أيام فقط تؤثر في البشر. من طول ما مرّ به الزمن، لم يعد يعرف الفرق بينك وبين ذلك الصبي الذي كنتَه قبل سنوات طويلة. لا يزال يعتبرك ذلك الصبي الذي يلعب بالطين ويجلس قربه على حافة النهر، راميًا خيط صناراته متأملًا الخيط المشدود ومؤملًا ينتظر سمكة ما تلتهم الطعم من الصنانير.
في الحقيقة، لقد أحبك لدرجة أنه تشبث حتى بنعلك، يريده ذكرى كما كان يفعل بخواتم الفتيات حين يردن النهر ليملأن آنيتهن. لم يتركك إلا بعد أن زجره أبوه النهر، والنهر نفسه رشك برذاذ، قطرات يعرفها الكل فيحبك تقديرًا له.
عاودني مشهد الفتيات يتهادين وعلى رؤوسهن آنية مملوءة بالماء. البيوت تشتاق إليهن كأنهن لم يغادرنها إلا لحظات، والنهر في انتظار عودتهن يغرق في الشكوك: هل سافرن؟ هل رحلن؟ هل توقفن عن المجيء؟ أخذت الصورة تتضح، لكني استمرأت الوضع، رغبت في المزيد من الشرح. لا أجمل من الشعور بأنك محبوب، مرغوب، يحبك الناس والضياء والأشياء…
الشوكة الصغيرة، من فرط ما سمعت من الحكاوى عنك، أحبتك قبل أن تراك لدرجة الفناء فيك. لكنها بقلة خبرتها لم تعرف كيف، ولم تتحيّن الوقت المناسب. أغلب الظن أن عاطفتها القوية غير المرشدة غلبتها. وأنت تحب وتعرف ذلك، فانظر لها بقلب المحب وتعذرها. سارعت أختها الكبرى بالتواجد حيث نظرت أنت، وساعدتك في إخراجها بسهولة.
تأثرت بقوة وداهمتني غصة اهتزت بها كل الذرات الروحية والمادية والمعنوية المكونة لي. صوت الخاطر الصديق واصل حديثه، نبرته كانت ثابتة رغم حماسها، هادئة، عميقة، دافئة، محبة:
التمرة التي لم يعجبك طعمها لم تكن لك. النخلات كنّ قد تنافست في مَن تهديك من بلحها أولًا بعد هذه السنوات الطوال، واجتمعت ووافقن على (المشرقية). تلك النخلة الحنون ظلت تعطي الجميع منذ أن كانت طفلة صغيرة، يختر من تمرها الغاشي والماشي. لم يحدث أن تذمرت أو اشتكت. إنها هناك قرب الحفير، ارفع نظرك تراها تحييك.
تجاه الحفير كانت المشرقية الطيبة تبتسم لي وتلوّح بسعفاتها، رغم أن النسيم كان واهنًا أضعف من أن يحرك فراشة. الصوت كان حنونًا، ينساب بسهولة في دواخلي. قلت في نفسي: حتى لو لم يكن صادقًا، أو لم يكن هناك صوت أصلًا، أو حتى لو كان توهمًا مني، فإن هذا التوهم اللذيذ سأصدقه وأتمسك به.
تساقط التمر بغزارة رغم السكون. نظرت إلى المشرقية، خُيّل إلي أني رأيت غصة في حلقها، لكني متأكد أن عسلًا كان ينقط من بلحاتها الرطبة الممتلئة بالريق الحلو.
هل يبكي النخيل عسلًا؟
أخذت رطبة ووضعتها في فمي، طعمها كان فوق الوصف، لهذا تركت هذه المساحة خالية ( ). لم أتمالك نفسي، أحطت جزع النخلة بساعدي وجسدي، وجهشت بالبكاء حتى هدأت كل خلاياي.
تلمست طريقي نحو البيوت، رافقني الجدول الصغير العاقل. أسرعنا نحو البيوت الطينية المتماسكة بالألفة، كان يسبقني تارة وأسبقه تارة أخرى. عند آخر منحنى له اتسع مكوّنًا شبه دائرة، أخذ شكل حفرة يحتقن فيها الماء في انتظار ورود البنات. النهر العاشق، الغارق في أشواقه، الحائر في ظنونه، يرسل الماء لأقرب ما يمكن، عربون محبة، باذلًا بسخاء حبه للفتيات، مقلدًا جده النهر.
ودعني الجدول ضاحكًا واندفع إلى حبيبته الجنينة الأخيرة، اندلق فيها بسعادة وتلاشى، وهو يحثني على تقليده ويشير إلى البيوت.
تأملت البيوت الطينية، ولم أستطع فهم كيف تحتضن هذه البيوت الصغيرة تلك الحكايات الكبيرة، حكايات ملأى بالأحداث والأساطير، عامرة بالشخوص، حيّة في الذواكر. اندفعت نحو البيوت، الطريق الضيق ينداح أمامي مرحبًا، بينما فتحت البيوت أبوابها مبتسمة.
وأنا أسير نحوها عشت بخيالي لحظة حضوري مرة أخرى، أجتررت سعيدًا تفاصيل الاحتفاء بقدومي. كان ذلك من أفضل ما حدث لي في حياتي.
في لحظة وصولي، وقبل أن أخرج تمامًا من أحضان النخيل، غصت في أحضان الناس. مثل قمر يلاعبه سحاب، كنت أخرج من حضن ليحتويني آخر. أسحب نفسًا عميقًا أشم به رائحة البلد من أحضان الطيبين. تتصاعد صيحات الترحيب والنحيب، تتعالى جلبة السلام والتساؤلات، أسئلة عن سبب الغيبة الطويلة وعن الأحباب المسافرين.
يتسارع الناس نحو القادم الجديد أينما جلس، تسبقهم آنية الطعام والشاي والقهوة والتمر والترمس. الأحضان الحنونة المشبعة برائحة البلد الطيبة تؤكد أن الإنسانية بخير. سرحت في كمّ السعادة التي غمرتني، وأفقت على صوت حنون: “مشتاقين”
انسابت من قلب محب، لكني سمعتها من قلوب الكل: الأهل، النخل، الطيور، الأشجار، البيوت، وحتى الدرب الصغير المتعرج.
نظرت باتجاه النخيل، كان الجو ساكنًا، لكن رغم ذلك كانت جريداته تتمايل مسرورة، تحييني بابتسامات معبأة بالمعاني الرائعة.
أوقفت أفكاري وفتحت مسامي أستقبل كل الحب المنساب من نوري، من حيث يحتويك النخيل ويخبئك في قلوب الناس.

Leave a Reply