نفر والسفر

صحيفة الهدف

كان ضوء الصباح يتسلّل ببطء، شاحبًا كذكرى بعيدة. في حيٍ شعبيٍ لا تزال جدرانه تروي ما لم يُكتب، كان حامد يعزف بأنامله على وترٍ قديم، يتدرّب على موسيقى تشبهه: مرتجلة، وتعرف الطريق رغم التواءاته.
كان يحب موتسارت وفيردي وشتراوس الإبن وأم كلثوم. كان يعشق الحقيبة وميخائيل بولغاكوف. يسمع كثيرًا الحقيبة ومصطفى سيد أحمد. لم يكن ليتسنى له كل ذلك لولا أنه كان يتردد على قصر الشباب والأطفال ومركز الشباب.
في الجهة الأخرى، كان أمجد في الحي الراقي المجاور يرسم شيئًا لم يكتمل. خط ثم محو. ظل ثم شك. في الحي الراقي المجاور، حيث الهدوء مشذّب والطرق تعرف استقامتها.
لم يجمعهما شيء، سوى الحلم.
حلمٌ بسيط: أن يبتسم وجه البلاد، أن يتساوى الناس، أن تُرفع اليد التي تُلوّح لا تلك التي تصفع.
وكان الحلم يكبر كلما التقيا في الساحات، أو تحت أضواء الندوات، أو في الممرات التي تقود نحو صوتٍ يقول الحقيقة ولو خافتًا، أو في الاجتماعات. حينها كانا في بدايات العشرين، بعينين تلمعان لا بالمعرفة، بل بما يمكن أن تصير إليه.
في ميدان المولد، المكان الذي يختلط فيه عبق القدم بظلال الشعارات الجديدة، وقفت فتاة. تتكئ على عمود نور كأنها تشد ظهر المدينة المهزوم. لم تكن جميلة بالمعنى المتداول، لكنها بدت وكأنها تفهم أكثر مما يُقال.
اقترب حامد منها، وهو الذي يجرؤ حين لا يجرؤ الآخرون. قال ضاحكًا بنصف صوت: “فاتنا كثير؟”
ردّت دون أن تلتفت: “الآن فقط بدأوا.”
عرفها حامد بنفسه: حامد عضو مكتب تنفيذي. وهذا أمجد مجرد عضو عادي. كلمة واحدة. لكنها أربكت الهواء. نظر أمجد إليه. رأى وجهًا مألوفًا لكن غريبًا في اللحظة ذاتها. كأنّ شيئًا تشقّق داخله. لم يعد يسمع. الكلمات انكسرت قبل أن تصله. الكشاف سلط ضوءه عليه، لا ليضيء بل ليعمي. الميدان اختفى.
حين عاد إلى أمجد وعيه، كان في الشارع. لا يدري كيف خرج من المكان، ولا لماذا ساقاه لم تتوقفا.
كان المنادي ينادي قرب الحافلة: “نفر والسفر!”
لكن أمجد لم يركب. مشى. ترك الندوة، الحي، وحامد. مشى في الطريق الطويل، كأن قدميه تبحثان عن إيقاعٍ آخر غير ما تعرفه المدينة. ربما كان يمشي ليهرب، أو ليقترب من شيء لا يعرفه. كل ما أدركه أنه لم يكن مستعدًا لتلك الكلمة: “عضو عادي”.
في اليوم التالي، كان الراديو يصدح من سيارةٍ متوقفة عند تقاطع الشوارع:
“أكتوبر الممهور بالدم
صباح الخير..
أهلًا مساء النور..
زمنًا تجي وبتمر..
عبر النشيد المُر
تحت الغنا المحظور.”
أمجد لم يحضر ندوة أو اجتماع أو ذهب إلى الميدان منذ تلك الليلة.
لكنّه ظلّ يمشي. كلما سمع صوت الحافلة، وكلما نادى المنادي: “نفر والسفر”، كان يبتسم. ويمضي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.