أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
مقدمة: لم تكن الانتفاضات السودانية – من أكتوبر إلى ديسمبر – مجرد أحداث سياسية عابرة في سجل الوطن، بل كانت ومضات في سفر الأمة العربية، إشارات كونية من قلب الخرطوم إلى ضمير العروبة، من لحظة الرفض إلى أفق الرسالة. لقد قدّم السودان، عبر ثوراته، أعظم الدروس في (صناعة الحرية من داخل الضعف)، حين أدار معـ.ـاركه بلا بنـ.ـادق، لكنه هزم بها الدبابة والدكتاتور.
لقد قدّم السودان، عبر ثوراته المتتالية، نموذجًا فريدًا في هندسة التغيير السلمي، حيث تحولت مآسي الفقر والتهميش إلى طاقة إبداعية غير مسبوقة، مجسدًا مقولة (صناعة الأمل من رحم اليأس) التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ المقاومة الشعبية.
ومع ذلك، يظل السؤال المركزي، كيف ننتقل من دوائر التحرر الوطني الضيقة إلى فضاء النهضة القومية الرحب؟ كيف نُحوِّل الثورة من فعل احتجاج إلى مشروع وجود يعيد للأمة العربية موقعها التاريخي ودورها الحضاري؟
أولاً: الدروس الاستراتيجية: (من التحرر الوطني إلى المشروع القومي):
الدرس الأول: (السلمية كقوة كونية لا كخيار تكتيكي):
أثبتت الانتفاضات السودانية أن السلمية ليست حيادًا ولا انسحابًا من المواجهة؛ بل هي أرقى أشكال الصـ.ـراع حين يتحول الوعي الشعبي إلى قوة أخلاقية لا تُقهر.
لقد أدرك السودانيون أن الكلمة، حين تصدر من ضمير الجمع، أقوى من كل دبابة، وأن الجموع، حين تُدرك رسالتها، تستطيع أن تعطل آلة القهر بوقوفها الصامت في الشوارع.
هذا الدرس هو إسهام السودان في الفكر الإنساني المـ.ـقاوم، أن الحرية لا تحتاج إلى العـ.ـنف كي تولد، بل إلى إيمان عميق بأن الحق لا يُنتزع بالقوة فقط، بل بالثبات عليها.
وهنا تكمن عبقرية التجربة السودانية: تحويل (الضعف) الظاهري إلى قوة أخلاقية هزت عروش الطغاة. ففي ديسمبر 2018، استطاعت جموع المتظاهرين العزل إسقاط نظام عمره 30 عامًا دون طلقة رصاص واحدة، في مشهد أعاد إنتاج ملحمة أكتوبر 1964 بأدوات العصر الرقمي. وفي المقابل، حين تكون المـ.ـعركة مع استعمار إحلالي وجودي، كما في فلـ.ـسطين، فإن السـ.ـلاح يتحول إلى لغة أخرى للسلم، لأن من يقـ.ـاتل دفاعًا عن الحياة إنما يحرس جوهرها.
الدرس الثاني: (وحدة الإرادة والتنظيم – معيار النصر الشعبي):
لم تُصنع ثورات السودان بالصدفة، بل ببناء متراكم من الوعي والتنظيم.
في أكتوبر وأبريل وديسمبر، التقت إرادة الشارع مع عقل النقابات والأحزاب، ليولد (التحالف العضوي بين الجماهير وقادة المجتمع (سياسيين ونقابيين وغيرهم).
هذه الوحدة هي التي حوّلت الطاقة العفوية إلى هندسة للنصر.
فالنقابات المهنية، واتحاد العمال، ولجان المـ.ـقاومة، أدّت الدور ذاته الذي أدته التنظيمات الشعبية في فلـ.ـسطين والروابط السرية في الأحواز؛ تحويل الفوضى إلى نظام، والغضب إلى مشروع، والإرادة إلى برنامج. فالنهضة، كي تدوم، لا تُبنى على الحماسة، بل على مؤسسات واعية تعرف ما تريد ولأي غاية تتحرك.
الدرس الثالث: (الذاكرة الثورية كهوية للأمة العربية):
لقد أثبتت الثورات السودانية أن (الذاكرة الثورية) هي السـ.ـلاح الأقوى في مواجهة محو الهوية. فما كان لثورة ديسمبر أن تنجح لولا أنها استندت إلى تراكم خبرات أكتوبر وأبريل، تمامًا كما تستند مـ.ـقاومة الأحواز على ذاكرة تاريخية تمتد لعقود من الصمود في وجه سياسات التفريس المنظمة.
الثورات ليست لحظات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، تربط أكتوبر بديسمبر، وفلسـ.ـطين بالأحواز، في خيطٍ من نارٍ وذاكرةٍ ودم. فالذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، بل خزان طاقة متجددة يحمي الشعوب من الاستلاب. إن من ينسى معـ.ـاركه؛ يعيد أخطاءه، ومن يتذكرها؛ يبني على حكمتها.
لذلك فإن المطلوب اليوم هو تأسيس بنك قومي للذاكرة العربية، تُوثّق فيه تجارب التحرر من الخرطوم إلى القدس إلى المحمرة، كي تصبح الدروس التاريخية مادة لتربية الأجيال لا شعارات للاحتفالات.
الدرس الرابع: (التحرر من الداخل هو الشرط الأول للتحرر من الخارج):
لا يمكن لأمةٍ مكبّلةٍ بدكتاتورها أن تحرر أرضها من غازيها.
الاسـ.ـتبداد الداخلي هو الاستعمار المقيم في الوعي، وهو العدو الذي يلبس ملامح الوطن.
من هنا كانت انتفاضات السودان ثورات مزدوجة: ضد الحاكم المحلي وضد التبعية الخارجية معًا.
وكما أن الشعب الفـ.ـلسطيني يقاوم احتلالًا غريبًا، فإن الشعب السوداني قاوم احتلالًا داخليًا للوعي والإرادة.
وكلاهما سعى لتحرير الإرادة القومية من الأسر، لأن الحرية لا تتجزأ: إما أن تكون شاملة، أو لا تكون.
الدرس الخامس:( فلسـ.ـطين والأحواز، تجليات المعركة الواحدة):
ما بين غـ.ـزة والقدس، وما بين الأحواز والخرطوم، يتجسد وجهان لجوهرٍ واحد: مـ.ـعركة الوجود العربي ضد محو الذات. في فلـ.ـسطين، اتخذ الرفض شكله المـ.ـسلح، لأن الاستعمار هناك لا يريد السيطرة، بل الإحلال. وفي الأحواز، تلبّس القـ.ـمعُ شكلًا ثقافيًا ولغويًا، فكانت المقاومة هناك مـ.ـعركة من أجل الذاكرة والهوية.
وفي السودان، لبست الثورة ثوب السلمية، فكانت مـ.ـعركة من أجل الكرامة والسيادة.
هذه النماذج الثلاثة ليست متنافرة، بل هي أضلاع المثلث العربي للمـ.ـقاومة: السلمية، والبـ.ـندقية، والصمود الثقافي. وحين تلتقي هذه الأضلاع، تتجسد معادلة التحرر القومي الشامل.
ثانياً: الدروس التكتيكية: (من هندسة النصر إلى بناء الدولة):
الدرس الأول: (المرونة التنظيمية – فن تحويل الهزائم إلى وقود للنصر):
لقد علّمتنا الانتفاضات أن النضال ليس خطًّا مستقيمًا، بل هو نهر يتعرج لكنه لا يتوقف عن الجريان نحو بحر الحرية. لقد أبدع السودانيون في (فن إعادة التشكيل) بعد كل انكسار، محوّلين السجون إلى معاهد للوعي، والمنافي إلى مراكز للتخطيط، والإخفاقات إلى منصات انطلاق جديدة. إنها المرونة الوجودية التي تجعل من كل شهيد أكاديمية للمقاومة، ومن كل جرح مصباحًا يضيء درب الثوار.
الدرس الثاني: (الاقتصاد المقاوم – عندما يصبح الخبز سلاحًا والجيب ميدان معركة):
لقد برهنت الثورات أن جيوب الفقراء يمكن أن تهز عروش الطغاة أكثر من الرصـ.ـاص. حين يتحول المواطن العادي إلى (مـ.ـقاوم اقتصادي) برفضه تمويل النظام، وحين تتحول العملة إلى سلاح بالمـ.ـقاطعة، فإن الدكتاتور يبدأ بالمـ.ـوت جوعًا قبل أن يموت رصـ.ـاصًا. إن إضرابات التجار واحتجاجات العمال ليست أحداثًا جانبية، بل هي ضربات استراتيجية في صميم بنية النظام الطغيانية.
الدرس الثالث: (القيادة الجماعية – مـ.ـوت البطل الفرد وولادة الأبطال المجهولين):
في سودان ديسمبر، مات الزعيم الملهم وولدت قيادة الجماهير. الطبيب الذي يقدم الإسعافات، والمهندس الذي ينظم المواصلات، والمدرس الذي يوعي الطلاب، والمرأة التي تطعم المتظاهرين – كلهم قادة. هذه (ديمقراطية القيادة) هي أعظم هدية تقدمها الثورات السلمية للعمل السياسي، حيث تتحول الطاقة الثورية من حالة فردية عابرة إلى ظاهرة جماعية مستدامة.
الدرس الثالث: (الدبلوماسية الشعبية – حين تتحدث الجماهير بلغة العالم بلا ترجمان):
لقد اخترقت الثورات حدود الجغرافيا بلا تأشيرات. صور الشـ.ـهداء في الخرطوم أصبحت قضية عالمية، وفيديوهات المتظاهرين في أم درمان خاطبت ضمير الإنسانية. هذه (الدبلوماسية الرقمية) حوّلت المعركة المحلية إلى قضية إنسانية عالمية، حيث أصبح كل مواطن صحفيًا ودبلوماسيًا وسفيرًا لقضيته في المحافل الدولية.
الدرس الرابع: (العدالة الانتقالية – من ثورة الغـ.ـضب إلى دولة الحق):
النصر الحقيقي لا يُقاس بسقوط الطاغية، بل بقدرتنا على بناء نظام يحوّل الغضب إلى قانون، والثأر إلى عدالة، والثورة إلى دستور. الثورة التي تنتصر ولكنها تفشل في بناء البديل، تكون قد خسرت المـ.ـعركة الحقيقية. فالتحرر من الطاغية هو البداية فقط، أما التحرر إلى الدولة فهو الغاية.
الدرس الخامس: (المرأة العربية – من خلف الخطوط إلى قيادة المعركة):
المرأة السودانية لم تكن حاضرة في الثورة، بل كانت هي الثورة ذاتها. من تنظيم الاعتصامات إلى قيادة المواكب، من الإسعاف إلى الخطابة، أعادت المرأة العربية تعريف دورها من (مشاركة) إلى (صانعة) للتاريخ. لقد سطرت المرأة بأحرف من نور درسًا خالدًا: لا تحرر بلا تحرر المرأة، ولا نهضة بلا نصف المجتمع.
الدرس السادس: (التوقيت الاستراتيجي – فن اقتناص لحظة الضعف النظامي):
الانتفاضات الناجحة هي التي تعرف متى تضرب، ومتى تتراجع، ومتى تعود أقوى. لقد أتقن السودانيون (فن التوقيت الثوري) – فهم يضربون حين يضعف النظام، ويتراجعون حين يشتد، ويعودون حين يتراخى. إنها حرب عصابات سياسية تعرف أن النصر ليس للقوي دائمًا، بل للذكي دائمًا.
ثالثاً: نحو استراتيجية للنهوض القومي: لقد آن الأوان لبناء مشروع عربي جديد، لا يبدأ من الصفر، بل من الدروس المجرَّبة.
مشروع يوحّد طاقات الأمة العربية حول مفهوم واضح: أن التحرر السياسي لا يكتمل دون التحرر الاقتصادي والثقافي، وأن مـ.ـقاومة الاستعمار لا تنفصل عن مقاومة الجهل والتبعية.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، نحتاج إلى:
1. تأسيس مراصد عربية لتوثيق تجارب المقاومة والتحرر.
2. إنشاء منصات تعليمية لنقل الخبرات بين الأجيال.
3. تطوير آليات التضامن العملي بين مختلف بؤر الصراع.
4. بناء اقتصاد مقـ.ـاوم يعزز السيادة القومية.
هذه هي النظرية العربية في التغيير التي نحتاجها:
1. تستلهم من السودان سلمية الوعي،
2. ومن فلسطين بطولة الفداء،
3. ومن الأحواز صبر الهوية، لتبني نهضة عربية توازن بين الحرية والسيادة والمعنى.
الخاتمة: لقد علّمتنا الانتفاضات أن النصر لا يولد من المـ.ـعركة، بل من الوعي بها.
حين يرفض الإنسان العربي الظلم في وطنه، فهو في الحقيقة يحرر أمته كلها.
وحين تصمد غـ.ـزة، وتنتفض الخرطوم، وتتمسك الأحواز بعروبتها، فإن الأمة العربية لا تُستعاد فقط، بل تُعاد صياغتها في التاريخ من جديد.
إن طريق النهوض القومي يبدأ من تلك اللحظة التي قال فيها السودانيون (لا)، وتلاهم الفلسطينيون والأحوازيون من مواقع مختلفة في الجغرافيا، لكن واحدة في الجوهر.
لأن العروبة، في جوهرها، ليست نسبًا ولا شعارًا، بل موقف مقـ.ـاوم من أجل الكرامة والحرية.
إن النهضة القومية التي ننشدها تبدأ من فهمنا أن معركة السودان هي مـ.ـعركة فلسـ.ـطين هي مـ.ـعركة الأحواز، وأن انتصار أي شعب عربي هو انتصار للأمة العربية جمعاء. وهذا الفهم هو الذي يحول الرفض من لحظة عابرة إلى مشروع خلاص دائم.
فالمجد للأمم التي تتذكر،
والخلود للشعوب التي ترفض،
والنصر للامة العربية ما دام فيها من يرفع راية (الوعي قبل السلاح، والإرادة قبل القوة).

Leave a Reply