بقلم: ✍️ أمجد السيد
في لقاء تلفزيوني على قناة الجزيرة مباشر، استوقف الكثيرين حديث الدكتور وليد مادبو حين استعاد واقعة تعود إلى بدايات الألفينات، قال فيها إنه عندما كانت الحرب تشتعل في دارفور بين الجيش والجنجويد ضد “الزُرقة”، حاول أن يلفت نظر موسى هلال إلى أن الزُرقة حليف استراتيجي لعرب دارفور، فجاءه الرد الصادم الحليف الاستراتيجي هم الشوايقة والجعليين.
هذه الإجابة الموجزة تختصر أزمة السودان العميقة؛ أزمة الهوية وبنية الوعي الجمعي الذي ما زال أسيرًا لمفاهيم الولاء القبلي والجهوي، لا لمفهوم الدولة والمواطنة.
لقد فشلنا، كدولة ومجتمع، في بناء وطن يتساوى فيه الجميع أمام القانون، وينتمي فيه المواطن للسودان أولًا لا لقبيلته أو منطقته أو عرقه.
منذ الاستقلال، ظل السودان يعيش صراعًا صامتًا بين دولة القبيلة ودولة الوطن، فكل مشروع سياسي جاء حاملاً لواء التحرير أو الإنقاذ أو الثورة اصطدم بجدار الولاءات الأولية التي تسكن العقول قبل الخرائط.
تبدلت الأنظمة، وتغيرت الشعارات، لكن البنية العميقة للوعي الاجتماعي بقيت على حالها نحن وهم. شمال وجنوب. عرب وزرقة. نوبة وبجا. مركز وهامش.
ومع كل دورة من دورات العنف، يتعمق الشرخ أكثر.
ما نراه اليوم من قتل ونزوح وتهجير وتمزيق للنسيج الوطني ليس إلا الثمرة المُرة لزرعٍ قديم، بدأ منذ أن قبلنا بأن تُختزل الدولة في قبيلة، وأن يُختصر السودان في جهة أو عِرق أو لغة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي أمة هو أن تفقد قدرتها على تخيّل نفسها كجماعة وطنية واحدة.
حين يصبح الانتماء إلى القبيلة أكثر أمنًا من الانتماء إلى الوطن، وحين تتحول الجيوش إلى أدوات لحماية الامتيازات الجهوية لا لسيادة الدولة، نكون قد عدنا إلى ما قبل الدولة نفسها، إلى لحظة ما قبل المواطنة
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى ولادة وعي جديد؛ وعي يُعيد تعريف معنى الانتماء ومعنى العدل ومعنى الوطن.
فالمواطنة ليست شعارًا يُرفع في الدساتير، بل عقدًا اجتماعيًا يضمن للجميع المساواة في الفرص، ويمنح كل فرد كرامته دون النظر إلى لونه أو قبيلته أو مسقط رأسه.
إنّ الطريق إلى السلام الحقيقي لا يمر عبر اتفاقات نخب تبحث عن سلطة، بل عبر إعادة تأسيس مشروع وطني جامع، تُبنى فيه الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة، لا على أعمدة الامتياز القبلي والجهوي.
لقد آن الأوان أن نُجيب على سؤال مادبو بطريقة مختلفة
الحليف الاستراتيجي الحقيقي ليس الشوايقة ولا الجعليين ولا الزرقة ولا العرب
الحليف الاستراتيجي هو السودان نفسه.

Leave a Reply