أي خريج نريد؟ بين التعليم البنكيّ والتعليم المبدع م عبدالمنعم مختار

صحيفة الهدف

ما يزال التعليم في السودان يدور في حلقة مفرغة من التلقين البنكيّ، حيث يُعامل الطالب كوعاء فارغ، والمعلم كمودِع للمعلومات الجامدة. النتيجة خريجون يحفظون ولا يُبدعون، يكررون ولا يُحلّلون، أشبه بكتالوجات للمعرفة بدلاً من عقول فاعلة.

في المقابل، تتبنى الأنظمة الحديثة فلسفة تقوم على المشاركة والتفكير النقدي والتجريب. الطالب فيها محور العملية، يتعلم عبر الإبداع والتحليل وامتلاك المنهج وحل المشكلات، فيخرج قادرًا على التكيّف مع متغيرات العصر. الفارق بين النظامين هائل: الأول يخرّج موظفًا خانعًا، والثاني يصنع مبتكرًا ومواطنًا منتجًا.

لكن في السودان، تتجلى المأساة في صورة أوضح: مدارس متهالكة، مناهج قديمة، معلم مهمّش بلا تدريب أو تقدير، وميزانيات هزيلة لا تعكس أي أولوية للتعليم. وكلما ظهرت محاولة جادة للإصلاح، وُوجهت بحرب شرسة. المثال الأبرز هو ما حدث مع الدكتور عمر القراي إبّان الحكومة الانتقالية، حين حاول مراجعة المناهج بعقل نقدي حديث، فتعرض لحملة منظمة من القوى المحافظة وأعداء التطور والحداثة، وأُجهض المشروع في مهده. لقد كانت تلك فرصة ضائعة لإطلاق مسار إصلاح حقيقي، لكنّ التيارات التقليدية فضّلت إبقاء التعليم في قمقمه المظلم.

وإذا كانت أوضاع التعليم متردية من قبل، فإنّ الحرب الأخيرة فاقمت الأزمة بصورة كارثية: آلاف المدارس أُغلقت أو دُمّرت، ملايين الأطفال انقطعوا عن الدراسة، والمعلمون وجدوا أنفسهم بلا رواتب أو بيئة عمل. إنّ استمرار الحرب يعني جيلًا كاملًا بلا تعليم، أي مستقبلًا محكومًا بالضياع. لذا فإنّ إيقاف الحرب شرط أول لأي إصلاح تعليمي، فلا تنمية بلا استقرار ولا نهضة بلا مدارس.

وفي الوقت، الذي تُدار فيه حرب داخلية ضد أي إصلاح، يواصل العالم سباقه نحو المستقبل: الذكاء الصناعي يغيّر شكل الاقتصاد، علوم الفضاء توسّع آفاق المعرفة، تقنيات الحاسوب صارت بديهيات في المدارس، والدول المتقدمة تبني منظومات خاصة لرعاية النوابغ والمبدعين منذ الطفولة.

والدليل الأوضح أن أبناء السودانيين، الذين أتيحت لهم فرص تعليم متقدم في الخارج أبدعوا وتفوّقوا وأصبحوا من مشاهير العلماء والباحثين والمخترعين، مما يؤكد أن المشكلة ليست في قدرات أبنائنا، بل في مناهجنا وطرق تعليمنا المتهالكة. فاستيقظوا قبل أن يفوت الأوان، فالركب ماضٍ سريعًا، ومن يتأخر يظل أسير التخلف والتبعية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.