ثورة ديسمبر لم تُهزم لكنها عُلّقت بين الدماء والخلافات دماء بلا ثمن؟

صحيفة الهدف

امجد السيد

ثورة ديسمبر كانت لحظة فارقة في تاريخ السودان خرج الشباب والشابات بصدورهم العارية، قدّموا أرواحهم، وواجهوا الرصاص بجرأة لا توصف. مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمفقودين، لكن بعد كل هذه التضحيات، لم يصل السودانيون إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي حلموا بها.

أين كان الخلل؟

الخلل الأول كان في قراءة القوى السياسية للمشهد. الأحزاب تصرفت وكأنها أسقطت نظاما عاديا مثل عبود أو نميري، بينما المتاسلمين كانوا قد بنوا خلال ثلاثين سنة دولة عميقة تسيطر على الجيش والأمن والشرطة والاقتصاد والقضاء والخدمة المدنية. لم يكن ممكناً إزاحتهم بمجرد فترة انتقالية عادية وصراعات على المقاعد الوزارية.

الخلل الثاني، أن بعض الأحزاب دخلت في صراع على سلطة لا تملكها أصلاً، لأن القرار ظل بيد المؤسسة العسكرية. هذا التشرذم أعطى المتأسلمين مساحة للمناورة والعودة بطرق ملتوية.

لماذا الحرب؟

عندما فشلوا في العودة بالطرق الناعمة، جاء خيار الانقلاب، ثم الحرب. الحرب لم تكن من أجل السودان، بل من أجل إعادة الإسلاميين للسلطة بالقوة، وتصفيات واسعة ضد شباب الثورة والفاعلين السياسيين.

الدعم السريع لعب دوراً أساسياً في هذا المسار فقد رفض أن يكون مجرد تابع في مسرحية يديرها الجيش والمتاسلمين، وانحاز للاتفاق الإطاري الذي فتح باباً أمام الانتقال المدني. هذا الموقف جعل الحرب خياراً لا مفر منه بالنسبة لخصوم الثورة، فكانت الكارثة.

أما الحركات الموقعة على اتفاق جوبا فوزنها كان في السلاح فقط، بلا قاعدة جماهيرية حقيقية تسندها.

ما المطلوب الآن؟

إذا أرادت القوى السياسية والمدنية أن تكرم دماء الشهداء فعليها أن:

1. تتجاوز خلافاتها الصغيرة.

2. تبني جبهة شعبية عريضة تضم كل قوى الثورة الحقيقية، من لجان المقاومة والنقابات والحركات الاجتماعية.

3. تقدم مشروعاً وطنياً واضحاً للديمقراطية والعدالة، بعيداً عن حسابات الكراسي.

4. تدرك أن مواجهة المتأسلمين تحتاج نفساً طويلاً واستراتيجية واعية، لأنهم شبكة متغلغلة لا تُهزم بسهولة.

ثورة ديسمبر لم تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها وُضعت بين مطرقة المتأسلمين وسندان خلافات الأحزاب. لكن جذوة الثورة ما زالت مشتعلة في الشارع، والشعب الذي قدّم الدماء لن يقبل أن تذهب تضحياته هدراً. المطلوب اليوم هو توحيد الصف من أجل السودان، لا من أجل السلطة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.