بقلم: المحلل السياسي
إن إصدار السودان لقانون مقاطعة “إسرائيل” لم يأتِ عرضاً أو صدفة أو مجاراةً أو ترضيةً لأحد، وإنما جاء نتيجة لعدة أسباب:
تم احتلال فلسطين وصناعة كيان صهيوني غاصب من قبل قوى الاستعمار العالمية حينها، والتي منحت “اليهود” أرض فلسطين لتكون الأرض البديلة بعد اقتراح عدة دول. وذلك بموجب ما عُرف بقرار التقسيم (القرار 181) الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1948، ومضمونه تقسيم فلسطين لدولتين: عربية و”يهودية”، مع وضع القدس تحت إدارة دولية، وهو القرار الذي رفضه العرب.
كانت فلسطين حينها دولة موجودة وأرضاً عربية، بينما كانت الدول العربية الأخرى وقت وقوع المؤامرة تحت نير الاحتلال الأجنبي.
إن أرض فلسطين هي أرض الحضارات والمقدسات؛ فيها القدس الشريف مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومهد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. وقد خاض العرب والمسلمون وأحرار العالم حروباً طويلة من أجل تحريرها، منذ عهد سيدنا عمر، وصلاح الدين الأيوبي، وحتى عهد محمد الفاتح.
جرت محاولات التدويل والتسوية لتصفية القضية منذ عام 1948. وأصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات منها: القرار 242 الذي أصدره مجلس الأمن في 22 نوفمبر 1967 والقاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال حرب يونيو/حزيران 1967 والتأكيد على حق كل دولة في المنطقة بالعيش بسلام داخل حدود آمنة، والقرار 338 الذي أصدره مجلس الأمن في 22 أكتوبر 1973 والذي دعا إلى وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر وتطبيق القرار 242. إلا أن هذه القرارات لم تُجدِ نفعاً، فقد مارست إسرائيل سياسة الاستيطان والأرض المحروقة وضربت عرض الحائط بكل القرارات الدولية.
لم تهدأ الدول العربية والإسلامية – من خلال الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو حركة عدم الانحياز – ومع حلفائها، عن السعي الجاد لتحرير فلسطين بكل الوسائل، ودعم المقاومة الفلسطينية جنباً إلى جنب مع الحراك السياسي والجماهيري.
وقد وُجد في سلاح المقاطعة أحد أقوى الأسلحة لمحاصرة الكيان الصهيوني وقطع سبل الإمداد عليه، فمع تصاعد التيار القومي والمد الثوري التحرري، جاءت المقاطعة السودانية لإسرائيل عام 1958 كموقف تاريخي لم يقتصر على الإدانة أو المشاركة في الحروب، بل تعداها إلى وضع قانون مقاطعة رادع شمل: منع التعاقد والتعامل مع إسرائيل، منع دخول بضائعها، اشتراط شهادة المنشأ، منع التصدير أو التوريد، فرض رقابة على أي بضائع تمر عبر السودان، وصولاً إلى العقوبات بالسجن حتى عشر سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً.
ظل هذا القانون سارياً منذ إجازته في الجمعية التأسيسية (البرلمان) ولم يُعدل أو يُلغَ، لعدم انتفاء مسبباته، بل مع تصاعد الاحتلال والتوسع الإسرائيلي، وازدياد الانتهاكات، والتطبيع مع الأنظمة والعملاء، وتجاوز القرارات الدولية.
فما الجديد ودوافع إلغاء هذا القانون من حكومة الفترة الانتقالية؟
لقد جاء انتصار شعبنا على نظام الحركة المتأسلمة عبر انتفاضة ديسمبر 2018 ليضع حداً للانحدار السحيق عبر الالتزام بالديمقراطية والتغيير، وتحديد أهداف الانتقال في (الحرية، السلام، العدالة)، وتوثيق ذلك في الوثيقة الدستورية الانتقالية. ومن ضمن المهام: وضع سياسة خارجية متوازنة تراعي المصالح المشتركة وتحافظ على السيادة.
لكن حين انكشفت حادثة زيارة البرهان لعنتيبي للقاء نتنياهو في فبراير/شباط 2020، وبدون علم مؤسسات الانتقال، ثم محاولة تسويق الخطوة بأنها مفتاح العلاقة مع أمريكا ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، رفض مجلس الوزراء ذلك وأكد أن التطبيع ليس من اختصاص الفترة الانتقالية وإنما من اختصاص برلمان منتخب.
غير أن قوى التطبيع ظلت في اتصالات سرية، حتى خرجت للعلن باستقبال عناصر من المخابرات الإسرائيلية وزيارات لمواقع حساسة، وصولاً إلى توقيع وزير العدل الانتقالي على “اتفاقات أبراهام”، التي تخدم التوسع الإسرائيلي في ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”.
هكذا تم الدفع نحو إلغاء القانون:
– لم يُطرح وفق الأعراف على اللجنة الفنية أو مجلس الوزراء، بل رُفع مباشرة لاجتماع المجلسين (الوزراء والسيادي).
– لم توزع نسخ للأعضاء، وعُرض من وزير العدل بحجة أن معظم الدول العربية طبّعت.
– ساد الاجتماع جو من العجلة والارتباك، وظهر أن الترتيب لتمريره جاء من خارج المؤسسات، بدعم بعض الفصائل المسلحة.
– اتضح أن الغرض تمرير “اتفاقات أبراهام” بزعم أنها الطريق لرفع العقوبات والانفتاح.
– كما أن إلغاء القانون يخدم مصالح شخصية للبرهان ووزير العدل عبد الباري، باعتبار أنهما خرقا القانون بعقد اتصالات مع إسرائيل.
الخلاصة:
بعد كل جرائم الإبادة ضد شعب فلسطين وتحدي الإرادة الدولية، كان المأمول أن يخرج السودان بموقف وطني راسخ، لا أن يُرهن بلا مقابل لجماعة اختارت الهوان والانبطاح.
إن إرادة شعبنا حية ومتقدة، ولن يقبل بربطه بأبشع الكيانات التوسعية الدموية. فقضية فلسطين هي قضيته الأولى، كما أن معركته في الداخل هي:
– وقف الحرب العبثية.
– استعادة الديمقراطية التنموية.
– صيانة الوحدة الوطنية وحماية الأرض.
– شعب السودان لن يتخلى عن فلسطين، ولن ينسى ولن يغفر.
والنصر معقود لشعب فلسطين على كامل أرضه وبكل حقوقه، ولشعب السودان في مسيرة التغيير والوحدة والسيادة والسلام والعدالة.
تنشر “الهدف” غداً الاثنين 1/9/2025، الساعة السادسة مساءً بتوقيت السودان، نص قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958.

Leave a Reply