قطر_الدمازين_خط_الرصيرص

صحيفة الهدف

دكتور معاوية الشفيع
في طريقه نحو النهر، أخذ يترنم-في شجن ظاهر، وقاهر- :
– رحت في حالك نسيتني…. واعتبرت الماضي فات…
سمع صوتاً من خلفه، صوت امرأة، ،صوتها:
– لما انت، انت خلاص جفيتني،
ليه بتحكي، الذكريااات…
التفت، “مخلوعاً”، -لا كما البشير، لكن بالمعنى السوداني حصرياً، لهذه الكلمة- لم يجد أحدأ،.. لا بد أنه يهلوس.. تذكر فجأة، أنه في زمانه ذاك، وفي هذه البلدة، قد راجت شائعة، بأن (فلانة- حسناء المدينة، التي ماتت، في ميعة الصبا- قد قامت “بعَّاتية”) وكان حينها قد تمنى -علي سبيل المزح-، مقابلتها.. ترى هل استجابت لرغبته الآن؟؟…ابتسم… أم لأن أذنه، قد أعطبها صوت الرصاص والدوشكات، والحاجات البترميها الطيارات فوق الرؤوس، فتهلك الناس، والحرث والبهائم، والبنيان، والله لا يحب الفساد… لذلك نفد بجلده، من حفلة الجنون، تلك، ولاذ بمرتع صباه، هذه البلدة الهادئة، الهانئة، على ضفاف أعالي النيل الأزرق العنيد…. وهاهو -بعد أن رمى “بقجته”، – في الغرفة التي استضافه فيها -كنازح-، صديقه القديم، -، يغذَّ السير تجاه النهر…تحديدأ، إلى شجرة “العرديب” الضخمة على ضفته …كل من عرفه، من أهل البلدة، كان على علم بأنه على علاقة خاصة، بهذه،(العرديبة)، لأنه كان يقضي فيها ومعها الساعات الطوال، حتى قال المرجفون في المدينة، بأنه كان يختبئ داخلها، ليدخن “البنقو”، ثم يسرح في آفاق غامضة، داخل نفسه…
كان يتسلق “عرديبته”، ويتمدد على أضخم أغصانها، يمضغ بعض أوراقها-ذات الحموضة اللذيذة-، ويخزنها-كالقات- في فمه، ناحية اليسار، ثم يبتلع الرحيق…ساعات طوال، قضاها يناجي، يناقش، يناقر هذه الشجرة الصديقة الحنون، ومن فوقها، كان ينظر إلى النهر الشاب المندفع نحو الشمال، مساحة النهر التي يراها -من موقعه ذاك-، كانت محدودة، فالنهر-عند العرديبة، يظهر من منحنى، ليغيب عند آخر، محتفظاً، بأسرار البدء والختام، أو ليظل في ذهنه، كحكاية، بلا بداية، ولا نهاية..
كان أحيانا يتوقف عن حواراته مع الشجرة، وينظر إلى النهر، واثق الخطوة يجري ، في اندفاع شجاع، حد التهور، من يرونه في أواسط البلاد وشمالها، يظنون أنه قوي التيار، غلَّابهُ، ليتهم يرونه هنا في أعاليه، إذن لآمنوا بسطوته، ولعلموا، أنه-عندما جاءهم- كان قد انهزم، وشاخ.
كم تابع -وصديقته العرديبة- أسراب طيور، لا يعرف أنواعها كلها، -كان من ضمنها، “السمبرية”، شعار المديرية*- تطير من ضفة إلى أخرى، في علو منخفض، تكاد تلامس المياه، وطيور أخرى تحلق في علو شاهق… كم مرة رأى جثثاً طافية، تبين بعد أن حدق فيها بعيني صقر -رغم بعد المسافة النسبي- أنها لأشجار، ربما ماتت- كغيرها- واقفة، ثم عبث بها (الهدام)، وتيار الماء بعد أن آل حالها إلى لا قوة، ولا حول.. أحيانا، يتأمل بنات الغلابى وهن يغسلن الملابس، في مياه النهر مباشرةً، ثم ينشرنها على صخور سوداء على الشاطئ، يقمن بهذه المهمة البائسة، وسط أغانيهن المرحة، وضحكاتهن العذبة، ويا للعجب…. وصبية، يلهون،-ويتعلمون العوم- في مكان ضحل قرب الشاطئ، وبالغون يتسابقون، سباحة، إلى منتصف النهر، أو ضفته الأخرى … أحيانا ، تمر مراكب، تحمل أخشابأ، أو “سمَّاكة”، يحملون شباك صيد، لا يدري أين ينصبونها…..كان يرى السقائين، خلف حميرهم يملاؤون “اخراج” الماء، المصنوعة من الجلد المدبوغ يدوياً، ليبيعوا الماء، ليس في حارتهم، حارة السقايين، ولكن في أحياء البلدة العطشى-كإبل الرحيل- وهي ترقد علي ضفاف السقيا العذبة ولم تتكرم أي حكومة، بإمدادها بماء الشرب النظيف إلا في عام 1985، وكم تعاطف، مع حمارٍ ناء بحمله، جراء الجوع والإرهاق، وانزلق في “المشرع” فلم يجد غير السوط-والقسر على النهوض بسحبه من ذيله- معيناً في كربته.
الآن، لم يعد قادرا، علي تسلق جبال الحياة، ولا الشجرة، فاكتفى بالجلوس تحتها، مستعيدا الذكريات، ومكرراً نفس الطقوس، عاقدا، المقارنات بين منظر النهر- وما يدور فيه، وقربه- زمان، والآن…
لا بنات يغسلن الثياب ولا حمير تحمل الماء.
كان هنالك عديد من النازحات والنازحين، يلعبون دور السياح، يزورون النهر ويندهشون لعنفوانه، فرحين، لأقصى درجة، إن كان ثمة فرحٍ لنازحٍ، – عانى كثيرا من الخوف والجوع، ونقصٍ في الأنفس والأموال والثمرات- ،فرحين بالطبيعة والجمال….
تدور بينهم الحوارات عن هذه البلدة، ولِم اختاروها، -دون سائر مدن، وبلدات، وقرى، هذا الوطن الذي كان ممتدأ، لمليون ميل مربع-، وكيف ضاقت بهم الأرض – بما رحبت- حين ولوا هاربين، إليها، من مطرقة الموت، وسندان الفاقة.
كانوا، زرافات متفرقة، ووحدانًا، -من قبائل قِبَل البلد الأربعة- يمرون من أمامه والشمس مائلة إلي غروب….طرقت أذنه، “طراطيش” من كل حكاية، حوار، ونسة:
– صحي الجنجويد شالوا مكيفات بيتكم؟؟
– والدانة الوقعت جمب بيتكم، نعل ما كتلت زول.
– هم ناس (عشة)، عندهم منو برسل ليهم من اللمارات؟؟
– قال ليك أرض الهلال بقت تنزانيا، وأرض المريخ ليبيا..
– والله ما عارف، يمكن نموت، قبل تقيف.
– كنت في الثانوي، آخر مرة جيت الرصيرص دي..-الزمن داك، إنتي ما ولدوك-،عشت هنا سنة كاملة، وهسه جابني الحنين، يعني الحنين خلاني اختار النزوح ليها، بدل بورتسودان، وكسلا، ونهر النيل…
انتبه بحدة… نظر في اتجاه المارين، أمامه، في رواحهم، من النهر، إلى البيوت، كانتا الأخيرتين، وكان أذان المغرب، يرفع في سماء البلدة، من جامعها العتيق..شيء في صوتها-لما سرى – ، دعاه للقومة من مكانه، – بأقصى سرعة تسمح بها سنه-، وتيع المرأة والشابة التي تصحبها، وتناديها ب”عمتي”، دون أن تلحظاه، بطبيعة الحال،:
– حنين لمنو يا عمة؟؟، أكيد ما نحن، نحن بنجيكم، -في الخرطوم تلاتة-، كل إجازة مدارس….

أوووه my God، تكثف انتباهه حد الاندغام في الحوار، هجمت على ذاكرته، المترنحة: (أنا ، دستوري نازل، في الخرطوم تلاتة)، ابتسم… نظر للمرأة والفتاة،- وهو خلفهما-، كانت الأولى ترتدي ثوبأ- سودانيا- أزرقاً، أعاده لزمن: (حليلك وانت جنبي، في الزي السماوي.)، ولم يهتم بما تلبسه الفتاة.
– ليه ما تقولي، حنين لشنو؟؟، يا بت، يا خبيثة، يا بتاعة الشمارات،
لكن -بصراحة- سؤالك في محلو…
صاحت الفتاة بفرح الظافر:
– أُهُممممم، طيب، أحكي.
– كنت في أولى ثانوي، وكان في تالثة، كان بشرح لي رياضيات وفيزياء، و…..و كل المواد،تقريبأ…المهم، حبينا بعض، ما في زول قال للتاني حاجة، بس كل لقاءاتنا، غياباتنا عن بعض، صاحباتي وأصحابو، كلو بشير لي كده……
– وبعدين يا عمتي.
– انتهت السنة، وأهلي قرروا أرجع. أواصل القراية في الخرطوم….قلت -وأنا أحاول تخفيف وقع الصدمة عليه-: وانت طبعا، نتيجتك حتظهر مقبول في جامعة الخرطوم، ونتلاقى عندنا، وجم، ثم قال: بسافر معاك، هلعت: سجمي، تسافر معاي وين؟؟.. ضحك، ما تخافي، قصدت أكون معاك في القطر، حأمشي، أقعد عند أهلي في الفتيحاب، بعدداك ممكن نتلاقى every now and then، لحدي ما النتيجة تظهر، وأعرف راسي من رجليّ….

ظل يسير خلفهما -كحرامي الحمير- متلصصاً ، كان صوت السيدة مسموعا- بل، عالياً-، ربما لضعف سمع،أصابها فصارت “تكورك” بالحديث.. مصائب قوم، جلبت له فائدة…، استدرك أنها توقفت عن الحديث، منذ عدة ثوان، حين سمع الفتاة تستحثها:-
– يللا يا عمتي، وبعدين..
– ما جا….
تسارعت خطواته، حتى تسارعت ضربات قلبه وأنفاسه، تجاوزهما، ثم وقف أمامهما، ينظر إلى السيدة، فأوشكتا على الصراخ، وشرعتا في الجري، أو الهرب، لكنه قال-كأنه ينهرهما-:
– دقيقة يا….
.. (وذكر اسمها)، راعها الصوت، فأمسكت بابنة أخيها حتى لا تسقط، ونظرت نحوه.. تأملها، نظارة سوداء تخفي العيون، ترى هل ما تزال ناعسة، أم “نامت عدييل”؟؟ وكأنها قرأت خواطره، فخلعت نظارتها وحدقت في وجهه بتركيز:
– ده انت؟؟
– تصدقي؟؟
– عرفتك من صوتك بس.
– (من بعد فرقتنا ديك مين كان بيفتكرك تعود)؟
– عودة شنو، يا وهم؟؟
وما تاكلني حنك يا خاين.. ما جيت ليه؟؟
تكلما بكل بساطة الدنيا، كانا يتحدثان، كأن لم يمر على افتراقهما خمسة وثلاثون عامأ، (وكأنو، لا دمع انذرف، لا خيوط قلوبنا اتقطَّعوا)… عيناها في عينيه، خلع نظارته الطبية، الهالات حول العينين، والتجاعيد على الجبين، وفي أركان الفم، جانِبَي اللَمي، -وما أدراكَ، ما اللمَي-، وفي الرقبة، كلها اختفت….
تماسكت واستقام عودها، انسلت الفتاة،-من بينهما- وجلست -على جذع دومة-بعيدا، لكن بحيث تراهما، ولا تسمعهما، تصافحا و(ساب، إيدو، عِنية، فوق يدها)..
– انت متذكر؟؟
– كل كلمة..
– طيب، ليه ما جيت؟؟ ليه ما جيت؟؟ ليه ما جيت؟ سِبتَ السفر؟؟ ياخي تعال ودِّعني…
– اقول ليك شنو؟؟ والله، ووحاتك إنتي….
صمت دهرأ، بللت خلاله الدموع وجهه، ووجهها، ثم نطق:
– القطر فاتني، ما لقيت “برينسات”، كلهن أجرتوهن إنتو يا السافرتو اليوم داك، ركبت لوري، اتعطل، مشيت كداري، جريت، شفت دخان القطر مارق من المحطة،……
تنهد،، سكت…
– ومن يومها، كم قطارات، وكم لواري وطيارات، فاتتني..
مصدقاني؟؟فاهماني؟؟ مسامحاني؟؟ آآآآآه.
هزت رأسها، أن نعم..
متماسكين، سارا، نحو البيوت، وفي صمتٍ، تبعتهما الفتاة، مغرورقة العينين، بالدموع…
_______________
* طائر السمبر كان شعار مديرية النيل الأزرق، التي تضم الجزيرة والنيل الأبيض، أيضا ، قبل يفتتها حكام التجزئة، إلى تلاتة (ولايات).