– التوق للانعتاق يدفعني للبحث عن اتجاهات جديدة
– فن الكاريكاتير، رغم ثرائه التفاعلي، ظل مقيدًا بالإطار الصحفي
– لا اعتبر لوحاتي في هذه المرحلة أعمالا نهائية
– تجربة الانعتاق التي بدأتها وجهتها التجريد بالتأكيد
أول ما يلفت النظر في أعمال الفنان التشكيلي أحمد التجاني النحاس، هو تلك البساطة، ولعلها البراءة، وهي تشع من بياض الجلاليب التي تزين الرجال، وسط مجموعة من النساء بأزيائهن الملونة، مثل مفردات حياة يومية، تسبح على سطح اللوحة. وحيث يبدو أن النحاس، وبعد ممارسة ممتدة للتشكيل، يخطو بثبات نحو أسلوبه الخاص.الأسلوب الذي عناه بيكاسو، حين قال: كنت صغيرًا وكنت أطمح أن أرسم مثل رافاييل. وعندما كبرت تمنيت أن أرسم كالأطفال.. لكن النحاس، لا يعتبر أن تجربته، أو ما يشبه عودته الظافرة للطفولة، هي كلمته الأخيرة، في هذا المجال. فهو في حال من التجريب، لأجل الوصول إلى سدرة منتهاه. هذه التجربة الإبداعية وآفاقها، شغلت فضاء المؤانسة التالية، مع “الهدف ” ، في مرسمه، بمقر إقامته، بالقاهرة :-
التقاه : عبدالله رزق أبوسيمازه
كيف تنظر إلى تجربتك مع التشكيل بعد طول ممارسة، وأهم المؤثرات التي ترسبت في هذه التجربة ؟
– لابد لي، في بداية حديثي، من الإشارة إلى أن دراستي المتخصصة في فن التلوين بكلية الفنون، سبقتها تجربة طويلة في مجال آخر من مجالات التشكيل، وهو فن الكاريكاتير الصحفي. وكما تعلم، فإن هذا الفن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأحداث اليومية في حياة الناس، حيث يعبر عنها بالرسم، مما يتيح للفنان فرصة مستمرة للتفاعل مع جمهور واسع، يشارك بآرائه وانفعالاته، بشكل دوري. هذه العلاقة الديناميكية فرضت عليّ تطوير مهارات تتجاوز مهارات الصحفي التقليدية، لتشمل القدرة على صياغة لغة بصرية مألوفة، يتفاعل معها الجمهور وجدانيًا.إلا أن هذا النمط من الرسم، رغم ثرائه التفاعلي، ظل مقيدًا بالإطار الصحفي، الذي تحدده سياسات التحرير، مما ولّد لديّ توقًا مستمرًا للتحرر والانطلاق بتلك المفردات إلى فضاءات تشكيلية أرحب. وكان تخصص التلوين هو الباب الذي منحني هذه الفرصة، لأخوض تجربة أكثر عمقًا وحرية في التعبير الفني.
يلاحظ اختيارك للمشاهد الشعبية السوق، القرية، العرس ..الخ، كموضوعات لأعمالك الفنية. هل هو هروب رمزي من المدينة إلى البساطة الريفية، إلى البراءة..وإلى الطفولة؟
– اعتقد أن لخلفيتي الصحفية تأثير كبير على اختياري للسوق كموضوع “في هذه المرحلة” ، فالسوق يعج بالحركة والتفاعل اليومي، وهو بمثابة منجم لا ينضب للإلهام والتجريب بالنسبة لي، وقد استلهمت موضوع السوق من مشروع التخرج لنيل بكالوريوس فنون جميلة وقد كان مشروع التخرج بناء المنظور الروائي في رواية (عرس الزين) للطيب صالح، تتحرك شخوص الرواية وأحداثها على خلفية دورة الحياة اليومية والاجتماعية (طقوس العبور)، وبين الإثنية العربية الإفريقية، وبين الخصوبة المترع بها وادي النيل، والجدب الضارب في الصحراء ، وبين البداوة والحضر. وكان لذلك تأثير كبير في اختيار موضوع السوق. وقد تكون مشاهد السوق هي السبب في انجذاب المشاهد الريفي والمديني، معا، لمفرداته المشتركة الجامعة. وقد يكون لموضوع السوق، أيضا، دور في إعطاء الانطباع أو التذكير بالفن الشعبي، ورواده من الفطريين، الذين أشرت إليهم ، من أمثال أحمد سالم وأبو الحسن مدن، وغيرهم. فهؤلاء كانوا هم وأعمالهم، جزء من النشاط اليومي للسوق نفسه، لذلك كانت أعمالهم أكثر واقعية وأكثر ارتباطا بالمجتمع حينذاك. لذلك، قد تكون تجربتهم تلك جزء من هذا التوق لمواصلة الارتباط الوجداني الصادق مع المتلقي.
هل يمكن أن تصنف نفسك كفنان شعبي،أو فطري، يستلهم أعماله من الحياة الشعبية، ويوظف تقنيات غاية في البساطة لتوصيل فكرته؟
– كما ذكرت أعلاه، لا أعتبر اللوحات في هذه المرحلة أعمالا نهائية مكتملة، بقدر ما هي منتج لعملية تفريغ لرواسب بصرية ووجدانية، أطمح في المستقبل إلى التحرر والانعتاق منها، والانطلاق بغيرها نحو فضاءات جديدة، لا أرى في هذه المرحلة أهمية لتصنيف الأعمال وفق الأسلوب أو الطابع، لأن العملية لا تزال مستمرة، تغذيها تراكمات تحتاج إلى تفريغ، وما أن يتحقق ذلك الانعتاق، ستكون هناك مرحلة مغايرة أنتظرها بشغف.
لماذا تقتصر مصادر الإلهام عندك في هذه المشاهد الشعبية، في السوق أو الريف، حيث جمهرة النساء، والرجال بملابسهم البيضاء، وهم ينخرطون في حياتهم اليومية. هل لذلك مكان خاص في حياتك ؟
– ما يتعلق باستخدام الشخوص من رجال ونساء وغيرهم، هو نابع من طبيعة السوق نفسه وثرائه البصري. فالسوق، بمكوناته المتنوعة، يشكل مجالًا خصبًا لدراسة الأشكال والألوان، وهو ما يتلاءم مع المرحلة التي أمر بها حاليا. وهي شخوص ما زالت متأثرة بطابع رسم الكاريكاتير، وإن كان توفر لها نوع من الانعتاق الجزئي من سجنها كمفردات تشكيلية.
ألا تلاحظ أنك تبتعد عن التجريدية نحو ما يمكن تصنيفه في إطار نوع من الانطباعية. ومع ذلك فإن أعمالك تميل للتخلص من التفاصيل، وحتى من العمق أو البعد الثالث؟
– فيما يختص بسؤالك عن التجريد أعتقد أن تجربة الانعتاق التي بدأتها وجهتها التجريد بالتأكيد. ومن الجيد أنك لاحظت محاولاتي الحذرة للتخلص من التفاصيل والعمق، كما ذكرت، وبذلك تكون قد سبرت غور هذه المرحلة. فالجهد متواصل نحو مزيد من التجريد. ويكمن التحدي في كيفية فعل ذلك، مع دافع الخوف من فقدان ما أسماه غيري بالأسلوب المميز. والخوف ليس من ضياع “أسلوب المرحلة” إن جازت تسميته أسلوباً، ولكن الخوف من التوقف عن البحث ومواصلة التجريب نحو مزيد من التجريد.
هل يعني، ذلك تمردا على الأساليب والتقنيات التي أسستها مدارس وتيارات التشكيل الحديثة والمعاصرة، ومنحاها الأكاديمي ؟
– سؤالك عن التمرد على الأساليب والتقنيات، هو برأيي سؤال سابق لأوانه. إذ لا أحد يعلم . فقد تقود المرحلة القادمة إلى الأساليب والتقنيات التي ذكرت. أو ربما قد يتواصل التجريب في اتجاهات جديدة، قد تعيدني، يوما، إلى نفس هذا الأسلوب. كل ما يهم الآن هو ذلك التوق للانعتاق، الذي يدفعني للبحث والتنقيب. وهذه المجموعة من اللوحات ، بكل ما فيها، ما هي إلا توثيق لهذه المرحلة، بكل تجاربها ، أشكركم على اتاحة هذه الفرصة للحديث عبر منبركم المتميز.
