هكذا فقدتُ حُّلماً جميلاً

صحيفة الهدف

 

محمد حماد عبدالمنعم

سموه هروباً أو خروجاً على حالة وجع القلب والرأس التي نعاني منها نحن شعب السودان، فقد أحببت السودان منذ صرختي الأولى في التاسع والعشرون من شهر نوفمبر عام 199‪9م، ثم نما حبي له وتوالت زياراتي لمدنه وأريافه، حتى انيّ لم أعد أذكر عددها لكن حبي للسودان كل يومٍ يتعمق.
أنشأت صداقات حقيقة مع مثقفيه(:” شعراء وكتاب وروائين وإعلاميين ومحامين وباحثي علم الاجتماع، شيوخ ومحققي وباحثي التراث والتاريخ السوداني نساءً ورجالاً. ففتحوا لي بحب عقولهم وقلوبهم وأبواب منازلهم وجيوب ملابسهم، وقادوني إلى عمق تاريخه المؤلم الأليم والثرى؛ فنما لدي شعور أن هؤلاء المثقفين مظلومين، فلم تسلط عليهم الأنظمة الحاكمة ولا الكتابات السيارة أضواءها حتى هذه اللحظة على الرغم من ثقل مواهبهم وإبداعاتهم؛ فلم يبرز من بينهم نجوم فضائيات ليتكشفهم سكان المعمورة! عزلهم واعتزالهم كان لأسباب معقدة، بدءً من عزلة السودان عن العالم لأكثر من ربع قرن في ظلم نظام يونيو 198‪9م الاستبدادي البالي.
وعلى الرغم من أننيّ فقدت الكثير منذ أن تفتحت على الحياة لكن ما يؤلمني أكثر الآن، أننيّ فقدت كما فقد الكثير منا مضاعف أعز الأصدقاء والرفاق والأهل والأساتذة في اللجوء والحرب، التي يقودها متطرفون غيلة، وأصبح كل من يدعو للسلام والمحبة والاستقرار والمصالحة بين الفرقاء ووحدة التيارات المختلفة من أجل مشروع شامل بخارطة طريق للنهوض الوطني، يق-تل وتهاجم فكرته في مهدها، لأنه يبذل جهوداً لبناء تحالف واسع يضم القوى الرئيسية للبلاد لإنجاز هذه المهمة. وعلى الرغم من ذلك إزداد حبي وتعلقي بالسودان وأهله لارتباطي الوثيق الأبدي بهم.
كانت مجزرة فض الاعتصام في العام 2019م قُباله عيد الفطر المبارك فاتحة شؤم على السودان وأهله، وحتى على أولئك المتطرفين الذين لم يستمعوا لصوت العقل الذي أعلى ثوار ثورة ديسمبر المجيدة من شأنه. ولم تمض بضع سنوات حتى انقلب الانقلابيين على حكومة الثورة وصولاً إلى اندلاع حرب 15 أبريل 202‪3م البائسة ذات الطابع السياسي والقبلي والتحويرات الدينية تارةً؛ وبدأ الأمر كأنما يواجه الانقلابيين أنفسهم، لأن قوات الدعم السريع منهم وفيهم، وكانت طرفاً أصيلاً من الانقلاب ومـذبحة القيادة؛ وأخذت المعارك تتفاقم كل يوم حتى وصفت المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة الوضع بالكارثي، وإذ تشرد عشرات الآلاف من سكان مناطق القتال والعمليات العسكرية في ”الخرطوم والجزيرة والنيل الأزرق وكردفان وسنار ودارفور وأصبحت البلاد عرضة للتفكك، وهي البلاد التي يتسم شعبها بالتسامح الفطري ورحابة أفق الكثير من أبنائها، التسامح والسلام الشعبوي السوداني الذي تغذيه ثقافة ضاربة في عمق تاريخه منذ قبل ميلاد المسيح عليه السلام؛ فالشعب السوداني عرف الحروب والحروب القبلية بواسطة كل الأنظمة التي حكمت، وإصرار العاقين من أبنائه لاستمرار ما نحن عليه. وإن كان شعب السودان قد عرف أشكالاً مختلفة للاغتيال السياسي فهو لم يكن أحد أسبابها حتى وقوع جريمة فض اعتصام القيادة العامة.
لم تكن كارثة وصدمة فض اعتصام القيادة العامة بالنسبة إلى مجرد افتقاد البيوت السودانية أبنائهم الشُّبان؛ أو أن الصدمة تجسدت عليّ على المستويين الشخصي والسياسي، إنما حال ذلك بيني وبين السودان الذي أحببت ناسه وفتنتني عماراته في الخرطوم والأُبيض العزيزة عليّ، كما أنني أحببت أيضاً حتى أفقر البيوت فيه، ذوات الطوابع الجمالية في أبي جبيهة وبابنوسة والدبيبات وكادقلي والليري وتالودي وكالوقي وتنجا، المبنية بالقش والزنك والخيش والقنا وجريد شجر الدليب. تلك البيوت ذات الروائح الخاصة عندما تهطل الأمطار في فصل الخريف وتنطلق أنسام الدعاش، والسُحب باهية، زاهية، مزينة بألوانها الداكنة والأزرق السماوي. أحببت أسواق السودان الشّعبية التي زرتها، التي لم أتمكن من زيارتها وهي لا شبيه لها في أي بلد آخر في كوكبنا الصغير هذا.
كأن المتطرفون لم يدركوا عواقب فض اعتصام القيادة ولم يدركوا حتى اتخاذ قرارات انقلابهم على حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، بمجلسها السيادي المكون من المدنيين والعسكريين. وإذ مازال المتطرفون يضعون كل من يناشد ويدعو للسلام والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ونهوض البلاد من كبوتها، على قائمة المستهدفين والتهديد بالقتل وأشنع أنواع القتل، الق-تل النفسي والفكري! بادعاء أننا من “المتمردين، المغضوب عليهم” من وجه نظرهم؛ وهذا ليس لسبب سوى لأننا ندين ونفضح ونكشف الجرائم النكراء الشنعاء، التي تمارس وتطال على المدنيين، أو مطاردتهم وتهديدهم لأي سياسي أو مفكر أو مثقف وطني وشريف ونبيل؛ لطالما مازال يلعب أدواراً محورية في السياسة والحياة السودانية.. ولأن جملة لا للحرب هي السلام وهي الجملة التي تعبر عن حال جموع السودانيين المغلوب على أمرهم؛ التي تعبر عن الغضب والحُزن والبؤس والجوع وفاقة الفقر المدقع والمرض، بل تعبر عن أمر الله لعباده بإعمار الأرض بالتدافع القائم على الاختلاف؛ ومناهضة الظلم. والاختلاف ومناهضة الظلم في السودان يجلب لنا الحروب والإرهاب، وليس وشقاء السودانيين إزاء محنة السودان.

_وهكذا فقدتُ حُّلماً جميلاً..”